محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تتمنين يا محمد ما جعلنا من زينة هذه الدنيا متاعا للأغنياء من قومك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يتمتعون فيها ، فإن من ورائهم عذابا غليظا . وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يقول : ولا تحزن على ما متعوا به فعجل لهم ، فإن لك في الآخرة ما هو خير منه ، مع الذي قد عجلنا لك في الدنيا من الكرامة بإعطائنا السبع المثاني والقرآن العظيم ؛ يقال منه : مد فلان عينه إلى مال فلان : إذا اشتهاه وتمناه وأراده . وذكر عن ابن عيينة أنه كان يتأول هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي من لم يستغن به ، ويقول : ألا تراه يقول : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ فأمره بالاستغناء بالقرآن عن المال . قال : ومنه قول الآخر : من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيرا وصغر عظيما . وبنحو الذي قلنا في قوله : أَزْواجاً قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ الأغنياء ، الأمثال ، الأشباه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ قال : نهي الرجل أن يتمنى مال صاحبه . وقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وألن لمن آمن بك واتبعك واتبع كلامك ، وقربهم منك ، ولا تجف بهم ، ولا تغلظ عليهم . يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين . والجناحان من بني آدم : جنباه ، والجناحان : الناحيتان ، ومنه قول الله تعالى ذكره : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ قيل : معناه : إلى ناحيتك وجنبك . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقل ما محمد للمشركين إني أنا النذير الذي قد أبان إنذاره لكم من البلاء والعقاب أن ينزل بكم من الله على تماديكم في غيكم كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ يقول : مثل الذي أنزل الله تعالى من البلاء والعقاب على الذين اقتسموا القرآن ، فجعلوه عضين . ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله : الْمُقْتَسِمِينَ ، فقال بعضهم : عني به . اليهود والنصارى ، وقال : كان اقتسامهم أنهم اقتسموا القرآن وعضوه ، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . ذكر من قال ذلك : حدثني عيسى بن عثمان الرملي ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، في قوله الله : كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : هم اليهود والنصارى ، آمنوا ببعض وكفروا ببعض . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ مال : هم أهل الكتاب ، جزءوه فجعلوه أعضاء أعضاء ، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، في قوله : كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : الذين آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض . حدثنا ابن