محمد بن جرير الطبري

91

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الهدى والحق جاء من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض ، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ، فيخرج جيده فينتفع به ، فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق ، ثم قال : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ إلى : أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ فقال : ابتغاء حلية الذهب والفضة ، أو متاع الصفر والحديد . قال : كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه ، قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا . حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد ا يقول : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : ما أطاقت ملأها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً قال : انقضى الكلام ، ثم استقبل فقال : " ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حليه أو متاع زبد مثله " قال : المتاع : الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ، زبد مثله ، قال : خبث ذلك مثل زبد السيل . قال : وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً قال : فذلك مثل الحق والباطل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، أنه سمعه يقول : فذكر نحوه . وزاد فيه : قال : قال ابن جريج : قوله : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً قال : جمودا في الأرض ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ يعني الماء وهما مثلان : مثل الحق والباطل . حدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : زَبَداً رابِياً السيل مثل خبث الحديد والحلية ، فَيَذْهَبُ جُفاءً جمودا في الأرض ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه . وقوله : وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ إنما هما مثلان للحق والباطل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ قال : وثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، يزيد أحدهما على صاحبه في قوله : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : بملثها ، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً قال : الزبد : السيل ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قال : خبث الحديد والحلية ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً قال : جمودا في الأرض ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ قال : الماء وهما مثلان للحق والباطل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الصغير بصغره والكبير بكبره ، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي عاليا ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً والجفاء : ما يتعلق بالشجر ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد ، يقول : كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحل الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد ، وكما مكث هذا الماء في الأرض ، فأمرعت هذه الأرض ، وأخرجت نباتها ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء