محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ يقول تعالى ذكره : فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له ، فلله يسجد من في السماوات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعا ، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كرها حين يكرهون على السجود . كما : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً فأما المؤمن فيسجد طائعا ، وأما الكافر فيسجد كارها . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، قال : كان ربيع بن خيثم إذا تلا هذه الآية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً قال : بلى يا رباه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً قال : من دخل طائعا هذا طوعا ، وكرها من لم ير يدخل إلا بالسيف . وقوله : وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يقول : ويسجد أيضا ظلال كل من سجد لله طوعا وكرها بالغدوات والعشايا ، وذلك أن ظل كل شخص فإنه يفيء بالعشي كما قال جل ثناؤه : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني : حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، قال في تفسير مجاهد : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قال : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قال : ذكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له ، وقرأ : سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ قال : تلك الظلال تسجد لله . والآصال : جمع أصل ، والأصل : جمع أصيل ، والأصيل : هو العشي ، وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس ؛ قال أبو ذؤيب : لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من رب السماوات والأرض ومدبرها ، فإنهم سيقولون الله . وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول الله ، فقال له : قل يا محمد : ربها الذي خلقها وأنشأها ، هو الذي لا تصلح العبادة إلا له ، وهو الله . ثم قال : فإذا أجابوك بذلك فقل لهم : أفاتخذتم من دون رب السماوات والأرض أولياء لا تملك لأنفسها نفعا تجلبه إلى نفسها ، ولا ضرا تدفعه عنها ، وهي إذ لم تملك ذلك لأنفسها ، فمن ملكه لغيرها أبعد فعبدتموها ، وتركتم عبادة من بيده النفع والضر والحياة والموت وتدبير الأشياء كلها . ثم ضرب لهم جل ثناؤه مثلا ، فقال : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ . . . فَتَشابَهَ