محمد بن جرير الطبري

69

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قال : " الدقل والفارسي والحلو والحامض " . حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي ، قال : ثنا سليمان بن عبد الله الرقي ، قال : ثنا عبيد الله بن عمر الرقي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قال : " الدقل والفارسي والحلو والحامض " . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يقول تعالى ذكره : إن في مخالفة الله عز وجل بين هذا القطع من الأرض المتجاورات وثمار جناتها وزروعها على ما وصفنا وبينا لدليلا واضحا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك ، أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه ، هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان ، فوفق هذا وخذل هذا ، وهدى ذا وأضل ذا ، ولو شاء لسوى بين جميعهم ، كما لو شاء سوى بين جميع أكل ثمار الجنة التي تشرب شربا واحدا ، وتسقى سقيا واحد ، وهي متفاضلة في الأكل . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ يقول تعالى ذكره : وإن تعجب يا محمد من هؤلاء المشركين المتخذين ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها من دوني ، فعجب قولهم أَ إِذا كُنَّا تُراباً وبلينا فعدمنا أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أإنا لمجدد إنشاؤنا وإعادتنا خلقا جديدا كما كنا قبل وفاتنا ؟ تكذيبا منهم بقدرة الله ، وجحودا للثواب والعقاب والبعث بعد الممات . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ إن عجبت يا محمد فعجب قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ عجب الرحمن تبارك وتعالى من تكذيبهم بالبعث بعد الموت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ قال : إن تعجب من تكذيبهم ، وهم قد رأوا من قدرة الله وأمره وما ضرب لهم من الأمثال ، فأراهم من حياة الموتى في الأرض الميتة ، إن تعجب من هذه فتعجب من قولهم : أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أو لا يرون أنا خلقناهم من نطفة ، فالخلق من نطفة أشد أم الخلق من تراب وعظام ؟ . واختلف في وجه تكرير الاستفهام في قوله : أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بعد الاستفهام الأول في قوله : أَ إِذا كُنَّا تُراباً أهل العربية ، فقال بعض نحويي البصرة : الأول ظرف ، والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام كما تقول : أيوم الجمعة زيد منطلق ؟ قال : ومن أوقع استفهاما آخر على قوله : أئذا متنا وكنا ترابا ؟ جعله ظرفا لشيء مذكور قبله ، كأنهم قيل لهم : تبعثون ، فقالوا : أئذا كنا ترابا ؟ ثم جعل هذا استفهاما آخر . قال : وهذا بعيد . قال : وإن شئت لم تجعل في قولك : " أئذا " استفهاما ، وجعلت الاستفهام في اللفظ على " أإنا " ، كأنك قلت : أيوم الجمعة أعبد الله منطلق ؟ وأضمر نفيه ، فهذا موضع قد ابتدأت فيه أئذا ، وليس بكبير في الكلام لو قلت اليوم : أإن عبد الله منطلق لم يحسن ، وهو جائز ، وقد قالت العرب ما علمت أنه لصالح ، تريد : إنه لصالح ما علمت . وقال غيره : أئذا جزاء وليست بوقت ، وما بعدها جواب لها إذا لم يكن في الثاني استفهام والمعنى له ، لأنه هو المطلوب ، وقال : ألا ترى أنك تقول : إن تقم يقوم زيد ويقم من جزم ، فلأنه وقع موقع جواب الجزاء ، ومن رفع فلأن الاستفهام له . واستشهد بقول الشاعر : حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر فجزم جواب اليمين ، لأنه وقع موقع جواب الجزاء ، والوجه الرفع . قال : فهكذا هذه الآية . قال : ومن أدخل