محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
، عن قتادة ، قوله : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يقول : حفيظ لما وليت ، عليم بأمره حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا إبراهيم بن المختار ، عن شيبة الضبي في قوله : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يقول : إني حفيظ لما استودعتني ، عليم بسني المجاعة وقال آخرون : إني حافظ للحساب ، عليم بالألسن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن الأشجعي : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ : حافظ للحساب ، عليم بالألسن وأولى القولين عندنا بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : إني حافظ لما استودعتني ، عالم بما أوليتني ، لأن ذلك عقيب قوله : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض ، فكان إعلامه بأن عنده خبرة في ذلك ، وكفايته إياه ، أشبه من إعلامه حفظه الحساب ومعرفته بالألسن . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض ، يعني أرض مصر . يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ يقول : يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء بعد الحبس والضيق . نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ من خلقنا ، كما أصبنا يوسف بها ، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار وبعد الإلقاء في الجب . وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول : ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه وعمل بما أمره وانتهى عما نهاه عنه ، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله . وكان تمكين الله ليوسف في الأرض ، كما حدثنا ابن حميد ، ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما قال يوسف للملك : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ قال الملك : قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ الآية . قال : فذكر لي والله أعلم أن إطفير هلك في تلك الليالي ، وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير راعيل ، وأنها حين دخلت عليه قال : أليس هذا خير مما كنت تريدين ؟ قال : فيزعمون أنها قالت : أيها الصديق لا تلمني ، فإني كنت امرأة كما ترى حسنا وجمالا ، ناعمة في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ، فغلبتني نفسي على ما رأيت . فيزعمون أنه وجدها عذراء ، فأصابها ، فولدت له رجلين : إفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف حدثني ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ قال : استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب أمرها ، وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله ، فذلك قوله : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ قال : مكناه فيما يكون فيها يشاء من تلك الدنيا ، يصنع فيها ما يشاء ، فوضت إليه . قال : ولو شاء أن يجعل فرعون من تحت يديه ، ويجعله فوقه لفعل حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو ، قال : أخبرنا هشيم ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن مجاهد ، قال : أسلم الملك الذي كان معه يوسف القول في تأويل قوله تعالى : وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يقول تعالى ذكره : ولثواب الله في الآخرة خير للذين آمنوا ؛ يقول : للذين صدقوا الله ورسوله مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر . وَكانُوا يَتَّقُونَ يقول : وكانوا يتقون الله فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه ، فيطيعونه في أمره ونهيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يقول تعالى ذكره : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ يوسف ، وَهُمْ ليوسف مُنْكِرُونَ لا يعرفونه