محمد بن جرير الطبري

59

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قال : حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق وهذه القراءة بفتح الكاف بالتخفيف لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من قراء الأمصار على خلافها ، ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجها من التأويل وهو أحسن مما تأوله مجاهد ، وهو : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من عذاب الله قومها المكذبة بها ، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا وافتروا على الله بكفرهم بها . ويكون الظن موجها حينئذ إلى معنى العلم ، على ما تأوله الحسن وقتادة . وأما قوله : فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأه عامة قراء أهل المدينة ومكة والعراق : " فننجي من نشاء " بنونين ، بمعنى : فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بما ، دون الكافرين الذين كذبوا رسلنا إذا جاء الرسل نصرنا . واعتل الذين قرءوا ذلك كذلك أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة ، وحكمه أن يكون بنونين ، لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة ، من أنجى ينجي ، والأخرى النون التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال ، من فعل جماعة مخبرة عن أنفسها ، لأنهما حرفان أعني النونين من جنس واحد يخفي الثاني منهما عن الإظهار في الكلام ، فحذفت من الخط واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة ، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يدغم أحدهما في صاحبه . وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى ، غير أنه أدغم النون الثانية وشدد الجيم . وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء على معنى فعل ذلك به من نجيته أنحيه . وقرأ ذلك بعض المكيين : " فنجي من نشاء " بفتح النون والتخفيف ، من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو . والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه : " فننجي من نشاء " بنونين ، لأن ذلك هو القراءة التي عليها القراءة في الأمصار ، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القراء ، وغير جائز خلاف ما كان مستفيضا بالقراءة في قراءة الأمصار . وتأويل الكلام : فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا ؛ كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال ثني عمي : قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : " فننجي من نشاء " فننجي الرسل ومن نشاء ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل ، فدعوا قومهم . وأخبروهم أنه من أطاع نجا ومن عصاه عذب وغوى وقوله وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يقول : ولا ترد عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا عن القوم الذين أجرموا ، فكفروا بالله وخالفوا رسله وما أتوهم به من عنده . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يقول تعالى ذكره : لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجا والعقول يعتبرون بها وموعظة يتعظون بها ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجب ليهلك ، ثم بيع بيع العبيد بالخسيس من الثمن ، وبعد الإسار والحبس الطويل ملكه مصر ومكن له في الأرض وأعلاه على من بغاه سوءا من إخوته ، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدة الطويلة ، وجاء بهم إليه من الشقة النائية البعيدة . فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لقد كان لكم أيها القوم في قصصهم عبرة لو اعتبرتم به ، أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته لا يتعذر عليه أن يفعل مثله بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيخرجه من بين أظهركم ثم يظهره عليكم ويمكن له في البلاد ويؤيده بالجند والرجال من الأتباع والأصحاب ، وإن مرت به شدائد وأتت دونه الأيام والليالي والدهور والأزمان