محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن أنس ، قوله : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي دعوتي حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي قال : هذه دعوتي القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . . عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول تعالى ذكره : وَما أَرْسَلْنا يا محمد مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا لا نساء ولا ملائكة ، نُوحِي إِلَيْهِمْ آياتنا بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني من أهل الأمصار ، دون أهل البوادي . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود وقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : أفلم يسر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك يا محمد ، ويجحدون نبوتك ، ويمكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة والعبادة له في الأرض ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إذ كذبوا رسلنا ، ألم نحل بهم عقوبتنا ، فنهلكهم بها ، وننج منها رسلنا وأتباعنا ، فيتفكروا في ذلك ويعتبروا ؟ ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ قال : إنهم قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قال : وقوله : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، وقوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ، وقوله : أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ ، وقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا من أهلكنا ؟ قال : فكل ذلك قال لقريش : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا وقوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يقول تعالى ذكره : هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا ، إن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا أنجيناهم منها ، وما في الدار الآخرة لهم خير . وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاء بدلالة قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عليه ، وأضيفت الدار إلى الآخرة ، وهي الآخرة ، لاختلاف لفظهما ، كما قيل : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وكما قيل : أتيتك عام الأول ، وبارحة الأولى ، وليلة الأولى ، ويوم الخميس ، وكما قال : الشاعر : أتمدح فقعسا وتذم عبسا * ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار عبس * عرفت الذل عرفان اليقين يعني عرفانا به يقينا . فتأويل الكلام : وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه . وقوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ يقول : أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقة ما نقول لهم ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر ، وغب ما يصير إليه حال أهله مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حل بما قبلهم من الأمم الكافرة المكذبة رسل ربها . القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا يقول تعالى ذكره : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى ، فدعوا من أرسلنا إليهم ، فكذبوهم ، وردوا ما أتوا به من عند الله ، حتى إذا استيأس الرسل الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله ، ويصدقوهم فيما أتوهم به من عند الله ، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبة أن الرسل الذين أرسلناهم ، قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله من وعده إياهم نصرهم عليهم ، جاءهم نصرنا