محمد بن جرير الطبري
2
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الجزء الثالث عشر [ بقية تفسير سورة يوسف ] القول في تأويل قوله تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول يوسف صلوات الله عليه : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الخطأ والزلل فأزكيها . إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يقول : إن النفوس نفوس العباد تأمرهم بما تهواه وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي يقول : إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه ، فينجيه من اتباع هواها وطاعته فيما تأمره به من السوء . إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . و " ما " في قوله : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي في موضع نصب ، وذلك أنه استثناء منقطع عما قبله ، كقوله : وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا بمعنى : إلا أن يرحموا ، وأن إذا كانت في معنى المصدر تضارع " ما " . ويعني بقوله : إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ : أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه ، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها ، رحيم به بعد توبته أن يعذبه عليها . وذكر أن يوسف قال هذا القول من أجل أن يوسف لما قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال ملك من الملائكة : ولا يوم هممت بها ؟ فقال يوسف حينئذ : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ . وقد قيل : إن القائل ليوسف : ولا يوم هممت بها فحللت سراويلك ؟ هو امرأة العزيز ، فأجابها يوسف بهذا الجواب . وقيل : إن يوسف قال ذلك ابتداء من قبل نفسه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما جمع الملك النسوة ، فسألهن : هل راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ الآية ، قال يوسف : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال فقال له جبرئيل : ولا يوم هممت بما هممت ؟ فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما جمع الملك النسوة ، قال لهن : أنتن راودتن يوسف عن نفسه ؟ ثم ذكر سائر الحديث ، مثل حديث أبي كريب ، عن وكيع قلن حاش لله ما علمنا . . . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا