محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
، فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابنه : قم إلى جنب روبيل فمسه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه ، فمر الغلام إلى جنبه فمسه ، فذهب غضبه ، فقال روبيل : من هذا ؟ إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب . سأل يوسف : من يعقوب ؟ فغضب روبيل فقال : يا أيها الملك لا تذكر يعقوب ، فإنه سري الله ، ابن ذبيح الله ، ابن خليل الله . قال يوسف : أنت إذن كنت صادقا القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : قالت أخوة يوسف ليوسف : يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ يا أيها الملك إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً كلفا بحبه ، يعنون يعقوب . فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يعنون فخذ أحدا منا بدلا من بنيامين ، وخل عنه . إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يقولون : إنا نراك من المحسنين في أفعالك . وقال محمد بن إسحاق في ذلك ، ما . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إنا نرى ذلك منك إحسانا إن فعلت القول في تأويل قوله تعالى : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ يقول تعالى ذكره : قال يوسف لإخوته : مَعاذَ اللَّهِ أعوذ بالله . وكذلك تفعل العرب في كل مصدر وضعته موضع يفعل ويفعل ، فإنها تنصب ، كقولهم : حمدا لله وشكرا له ، بمعنى : أحمد الله وأشكره ؛ والعرب تقول في ذلك : معاذ الله ، ومعاذة الله ، فتدخل فيه هاء التأنيث كما يقولون : ما أحسن معناه هذا الكلام ، وعوذ الله ، وعوذة الله ، وعياذ الله ؛ ويقولون : اللهم عائذا بك ، كأنه قيل : أعوذ بك عائذا ، أو أدعوك عائذا . أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ يقول : أستجير بالله من أن نأخذ بريئا بسقيم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ يقول : إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعا عنده أنا إذا نفعل ما ليس لنا فعله ، ونجور على الناس حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ قال يوسف : إذا أتيتم أباكم فأقرئوه السلام ، وقولوا له : إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف ، حتى يعلم أن في أرض مصر صديقين مثله القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا . . . وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ يعني تعالى ذكره : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين ويأخذ منهم واحدا مكانه وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك . وقوله اسْتَيْأَسُوا استفعلوا ، من يئس الرجل من كذا ييأس . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يئسوا منه ورأوا شدته في أمره وقوله : خَلَصُوا نَجِيًّا يقول : بعضهم لبعض : يتناجون ، لا يختلط بهم غيرهم . والنجي جماعة القوم المنتجين يسمى به الواحد والجماعة ، كما يقال : رجل عدل ورجال عدل ، وقوم زور وفطر ، وهو مصدر من قول القائل : نجوت فلانا أنجوه نجيا ، جعل صفة ونعتا . ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا قول الله تعالى : وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا فوصف به الواحد ، وقال في هذا الموضع : خَلَصُوا نَجِيًّا فوصف به الجماعة ، ويجمع النجي أنجية ، كما قال لبيد : وشهدت أنجية الأفاقة عاليا * كعبي وأرداف الملوك شهود