محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قلبت تاء . ومن قال ذلك في اسم الله ، فقال : " تالله " لم يقل تالرحمن وتا لرحيم ، ولا مع شيء من أسماء الله ، ولا مع شيء مما يقسم به ، ولا يقال ذلك إلا في " تالله " وحده . وقوله : لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يقول : لقد علمتم ما جئنا لنعصى الله في أرضكم ، كذلك كان يقول جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يقول : ما جئنا لنعصى في الأرض فإن قال قائل : وما كان علم من قيل له لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ بأنهم لم يجيئوا لذلك حتى استجاز قائلوا ذلك أن يقولوه ؟ قيل : استجازوا أن يقولوا ذلك لأنهم فيما ذكر ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ، فقالوا : لو كنا سراقا لم نرد عليكم البضاعة التي وجدناها في رحالنا . وقيل : إنهم كانوا قد عرفوا في طريقهم ومسيرهم أنهم لا يظلمون أحدا ولا يتناولون ما ليس لهم ، فقالوا ذلك حين قيل لهم : إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ يقول تعالى ذكره : قال أصحاب يوسف لإخوته : فما ثواب السرق إن كنتم كاذبين في قولكم ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ . يقول جل ثناؤه : وقال إخوة يوسف : ثواب السرق من وجد في متاعه السرق فهو جزاؤه ، يقول : فالذي وجد ذلك في رحله ثوابه بأن يسلم بسرقته إلى من سرق منه حتى يسترقه . كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يقول : كذلك نفعل بمن ظلم ففعل ما ليس له فعله من أخذه مال غيره سرقا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَهُوَ جَزاؤُهُ أي سلم به ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ : أي كذلك نصنع بمن سرق منا حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، قال : بلغنا في قوله : قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أخبروا يوسف بما يحكم في بلادهم أنه من سرق أخذ عبدا ، فقالوا : جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ تأخذونه فهو لكم ومعنى الكلام : قالوا : ثواب السرق الموجود في رحله ، كأنه قيل : ثوابه استرقاق الموجود في رحله ، ثم حذف " استرقاق " ، إذ كان معروفا معناه ، ثم ابتدئ الكلام فقيل : هو جزاؤه ؛ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . وقد يحتمل وجها آخر : أن يكون معناه : قالوا ثواب السرق الذي يوجد السرق في رحله ، فالسارق جزاؤه . فيكون " جزاؤه " الأول مرفوعا بجملة الخبر بعده ، ويكون مرفوعا بالعائد من ذكره في " هو " ، و " هو " رافع " جزاؤه " الثاني . ويحتمل وجها ثالثا : وهو أن تكون " من " جزائية ، وتكون مرفوعة بالعائد من ذكره في الهاء التي في " رحله " ، والجزاء الأول مرفوعا بالعائد من ذكره في " وجد " ، ويكون جواب الجزاء الفاء في " فهو " . والجزاء الثاني مرفوع ب " هو " ، فيكون معنى الكلام حينئذ : قالوا : جزاء السرق من وجد السرق في رحله ، فهو ثوابه يسترق ويستعبد . القول في تأويل قوله تعالى : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ . . . نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ يقول تعالى ذكره : ففتش يوسف أوعيتهم ورحالهم طالبا بذلك