محمد بن جرير الطبري
167
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وبنحو ما قلنا في معنى قوله : وَالسَّماواتُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ قال : أرضا كأنها الفضة وَالسَّماواتُ كذلك أيضا . وقوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ يقول : وظهروا لله المنفرد بالربوبية ، الذي يقهر كل شيء فيغلبه ويصرفه لما يشاء كيف يشاء ، فيحيي خلقه إذا شاء ، ويميتهم إذا شاء ، لا يغلبه شيء ، ولا يقهره من قبورهم أحياء لموقف القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ . . . وُجُوهَهُمُ يقول تعالى ذكره : وتعاين الذين كفروا بالله ، فاحترموا في الدنيا الشرك يومئذ ، يعني : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ يقول : مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد ، وهي الوثاق من غل وسلسلة ، واحدها : صفد ، يقال منه : صفدته في الصفد صفدا وصفادا ، والصفاد : القيد ، ومنه قول عمرو بن كلثوم : فآبوا بالنهاب وبالسبايا * وأبنا بالملوك مصفدينا ومن جعل الواحد من ذلك صفادا جمعه : صفدا لا أصفادا . وأما من العطاء ، فإنه يقال منه : أصفدته إصفادا ، كما قال الأعشى : تضيفته يوما فأكرم مجلسي * وأصفدني عند الزمانة قائدا وقد قيل في العطاء أيضا : صفدني صفدا ، كما قال النابغة الذبياني : هذا الثناء فإن تسمع لقائله * فما عرضت أبيت اللعن بالصفد وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثني عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ يقول : في وثاق . حدثني محمد بن عيسى الدامغاني ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : الأصفاد : السلاسل حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ قال : مقرنين في القيود والأغلال . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا علي بن هاشم بن البريد ، قال : سمعت الأعمش ، يقول : الصفد : القيد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ قال : صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم ، والأصفاد : الأغلال . وقوله : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ يقول : قمصهم التي يلبسونها ، واحدها : سربال ، كما قال امرؤ القيس : لعوب تنسيني إذا قمت سربالي حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ قال : السرابيل : القمص . وقوله : مِنْ قَطِرانٍ : يقول : من القطران الذي يهنأ به الإبل ، وفيه لغات ثلاث : يقال : قطران وقطران بفتح القاف وتسكين الطاء منه . وقيل : إن عيسى بن عمر كان يقرأ : مِنْ قَطِرانٍ بكسر القاف وتسكين الطاء ؛ ومنه قول أبي النجم : جون كأن العرق المنتوحا * لبسه القطران والمسوحا بكسر القاف ، وقال أيضا : كأن قطرانا إذا تلاها * ترمي به الريح إلى مجراها بالكسر . وبنحو ما قلناه في ذلك يقول من قرأ ذلك كذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا