محمد بن جرير الطبري
159
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صدورهم فنشبت في حلوقهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم ، ولا تعود إلى أمكنتها . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : أنها خالية ليس فيها شيء من الخير ، ولا تعقل شيئا ؛ وذلك أن العرب تسمي كل أجوف خاو : هواء ؛ ومنه قول حسان بن ثابت : ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء ومنه قول الآخر : ولا تك من أخذان كل يراعة * هواء كسقب البان جوف مكاسرة القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ يقول تعالى ذكره : وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيا إلى الإسلام ما هو نازل بهم ، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة . فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يقول : فيقول الذين كفروا بربهم ، فظلموا بذلك أنفسهم : رَبَّنا أَخِّرْنا : أي أخر عنا عذابك ، وأمهلنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ الحق ، فنؤمن بك ، ولا نشرك بك شيئا ؛ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ يقولون : ونصدق رسلك فنتبعهم على ما دعوتنا إليه من طاعتك واتباع أمرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ قال : يوم القيامة فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال : مدة يعملون فيها من الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ يقول : أنذرهم في الدنيا قبل أن يأتيهم العذاب . وقوله : فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رفع عطفا على قوله : يَأْتِيهِمُ في قوله : يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ وليس بجواب للأمر ، ولو كان جوابا لقوله : وَأَنْذِرِ النَّاسَ جاز فيه الرفع والنصب . أما النصب فكما قال الشاعر : يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا والرفع على الاستئناف . وذكر عن العلاء بن سيابة أنه كان ينكر النصب في جواب الأمر بالفاء ، قال الفراء : وكان العلاء هو الذي علم معاذا وأصحابه . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وهذا تقريع من الله تعالى ذكره للمشركين من قريش بعد أن دخلوا النار بإنكارهم في الدنيا البعث بعد الموت . يقول لهم إذ سألوه رفع العذاب عنهم وتأخيرهم لينيبوا ويتوبوا : أَ وَلَمْ تَكُونُوا في الدنيا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ يقول : ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة ، وإنكم إنما تموتون ، ثم لا تبعثون ؟ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ كقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى ثم قال : ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ قال : الانتقال من الدنيا إلى الآخرة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سلمة ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ قال : لا تموتون لقريش . حدثني القاسم ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عمرو بن أبي ليلى أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : بلغني ، أو ذكر لي أن أهل النار ينادون : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ فرد عليهم : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ