محمد بن جرير الطبري

154

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

" قال أبو جعفر " : فغيرته أنا فجعلته : قال أخبرني ابن كثير ، وأسقطت عمرا ، لأني لا أعرف إنسانا يقال له عمرو بن كثير حدث عنه ابن جريج ، وقد حدث به معمر عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير ، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلا ، فقال سعيد بن جبير للقوم : سلوني قبل ألا تسألوني فسأله القوم فأكثروا ، وكان فيما سئل عنه أن قيل له : أحق ما سمعنا في المقام ؟ فقال سعيد : ماذا سمعتم ؟ قالوا : سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام ، كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكة حتى يرجع ، فقرب له المقام ، فنزل عليه . فقال سعيد : ليس كذاك : حدثنا ابن عباس ، ولكنه حدثنا حين كان بين أم إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل ، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه ، قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : " ولذلك طاف الناس بين الصفا والمروة " . ثم حدث وقال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : " طلبوا النزول معها وقد أحبت أم إسماعيل الأنس ، فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا ، وطعامهم الصيد ، يخرجون من الحرم ويخرج إسماعيل معهم يتصيد ؛ فلما بلغ أنكحوه ، وقد توفيت أمه قبل ذلك " . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما دعا لهما أن يبارك لهم في اللحم والماء ، قال لها : هل من حب أو غيره من الطعام ؟ قالت : لا ، ولو وجد يومئذ لها حبا لدعا لها بالبركة فيه " . قال ابن عباس : ثم لبث ما شاء الله أن يلبث ، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دوحة إلى ناحية البئر يبرى نبلا له ، فسلم عليه ونزل إليه ، فقعد معه وقال : يا إسماعيل ، إن الله قد أمرني بأمر . قال إسماعيل : فأطع ربك فيما أمرك قال إبراهيم : أمرني أن أبني له بيتا . قال إسماعيل : ابن قال ابن عباس : فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها ، ولا يركبها . قال : فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء . وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته ، والشيخ إبراهيم يبني . فلما ارتفع البنيان وشق على الشيخ تناوله ، قرب إليه إسماعيل هذا الحجر ، فجعل يقوم عليه ويبني ، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى . يقول ابن عباس : فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ قال : أسكن إسماعيل وأمه مكة . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ قال : حين وضع إسماعيل . قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذن : ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع . وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنا لك يومئذ ماء ، لأنه لو كان هنا لك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرمته على جميع خلقك أن يستحلوه . وكان تحريمه إياه فيما ذكر كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته : إن هذا البيت أول من وليه أناس من جرهم ، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته ، واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله . ثم وليهم أناس من جرهم فعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله . ثم وليتموه معاشر قريش ، فلا تعصوا ربه ، ولا تستحلوا حرمته ، ولا تستخفوا بحقه فوالله لصلاة فيه أحب إلى من مئة صلاة بغيره ، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك . وقال : إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ولم يأت بما وقع عليه الفعل ، وذلك أن حظ الكلام أن يقال : إني أسكنت من ذريتي جماعة ، أو رجلا ، أو قوما ، وذلك غير جائز مع " من " لدلالتها على المراد من الكلام ، والعرب تفعل ذلك معها كثيرا ، فتقول : قتلنا من بني فلان ، وطعمنا من الكلأ ، وشربنا من الماء ؛ ومنه قول الله تعالى : أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فإن قال قائل : وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ وقد رويت في الأخبار التي ذكرتها