محمد بن جرير الطبري
150
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكذلك قوله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ وقيل أيضا : إنه ليس شيء إلا وقد سأله بعض الناس ، فقيل : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي قد أتى بعضكم منه شيئا ، وأتى آخر شيئا مما قد سأله . وهذا قول بعض نحويى أهل البصرة . وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول : معناه : وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه ، كأنه قيل : وآتاكم من كل سولكم ؛ وقال : ألا ترى أنك تقول للرجل لم يسألك شيئا : والله لأعطينك سؤلك ما بلغت مسألتك وإن لم يسأل ؟ فأما أهل التأويل ، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ورغبتم إليه فيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ وحدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ قال : من كل الذي سألتموه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا خلف ، يعني ابن هشام ، قال : ثنا محبوب ، عن داود بن أبي هند ، عن ركانة بن هاشم : مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وقال : ما سألتموه وما لم تسألوه . وقرأ ذلك آخرون : " وآتاكم من كل ما سألتموه " بتنوين " كل " وترك إضافتها إلى " ما " بمعنى : وآتاكم من كل شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه . وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار ، وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو حصين ، عبد الله بن أحمد بن يونس ، قال : ثنا بزيع ، عن الضحاك بن مزاحم في هذه الآية : " وآتاكم من كل ما سألتموه " قال : ما لم تسألوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك أنه كان يقرأ : " من كل ما سألتموه " ويفسره : أعطاكم أشياء ما سألتموها ولم تلتمسوها ، ولكن أعطيتكم برحمتي وسعتي . قال الضحاك : فكم من شيء أعطانا الله ما سألنا ولا طلبناه . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " وآتاكم من كل ما سألتموه " يقول : أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها ، صدق الله كم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطر لنا على بال . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " وآتاكم من كل ما سألتموه " قال : لم تسألوه من كل الذي آتاكم . والصواب من القول في ذلك عندنا من كل ما ، القراءة التي عليها قراء الأمصار ، وذلك إضافة " كل " إلى " ما " بمعنى : وآتاكم من سؤلكم شيئا ، على ما قد بينا قبل ، لإجماع الحجة من القراء عليها ورفضهم القراءة الأخرى . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يقول تعالى ذكره : وإن تعدوا أيها الناس نعمت الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها . إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يقول : إن الإنسان الذي بدل نعمت الله كفرا لظلوم : يقول : لشاكر غير من أنعم عليه ، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه ؛ وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق عليه إخلاص العبادة له ، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضل عن سبيله ، وذلك هو ظلمه . وقوله : كَفَّارٌ يقول : هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه ، وتركه طاعة من أنعم عليه . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن طلق بن