محمد بن جرير الطبري

133

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ يعني تعالى ذكره بقوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامة من قبورهم فصاروا بالبراز من الأرض جميعا ، يعني كلهم . فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يقول : فقال التباع منهم للمتبوعين ، وهم الذين كانوا يستكبرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا ، والتبع : جمع تابع ، كما الغيب جمع غائب . وإنما عنوا بقولهم : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان والكفر بالله ، وينتهون عما نهوهم عنه من اتباع رسل الله . فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعنون : فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذاب الله من شيء . وكان ابن جريج يقول نحو ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَقالَ الضُّعَفاءُ قال : الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا قال : للقادة . قوله : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ يقول عز ذكره : قالت القادة على الكفر بالله لتباعها : لَوْ هَدانَا اللَّهُ يعنون : لو بين الله لنا شيئا ندفع به عذابه عنا اليوم ، لَهَدَيْناكُمْ لبينا ذلك لكم حتى تدفعوا العذاب عن أنفسكم ، ولكنا قد جزعنا من العذاب فلم ينفعنا جزعنا منه وصبرنا عليه . سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ يعنون : ما لهم من مزاغ يزوغون عنه ، يقال منه : حاص عن كذا إذا زاغ عنه يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عمر بن أبي ليلى أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : بلغني أو ذكر لي أن أهل النار قال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا قال : فيجمعون رأيهم على الصبر ، قال : فصبروا فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ أي منجي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ قال : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله قال : فبكوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فما أدرك أهل الجنة الجنة إلا بالصبر ، تعالوا نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : وقال إبليس لما قضي الأمر ، يعني لما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واستقر بكل فريق منهم قرارهم : إن الله وعدكم أيها الأتباع النار ، ووعدتكم النصرة فأخلفتكم وعدي ، ووفى الله لكم بوعده . وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يقول : وما كان لي عليكم فيما وعدتكم من النصرة من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي ؛ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ وهذا الاستثناء المنقطع عن الأول كما تقول : ما ضربته إلا أنه أحمق ، ومعناه : ولكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي يقول : إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله ، فاستجبتم لدعائي . فَلا تَلُومُونِي على إجابتكم إياي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ عليها . ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ يقول : ما أنا بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله فمنجي منه . إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ يقول : إني جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم من قبل في الدنيا . إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول : إن الكافرين بالله لهم عذاب أليم من الله موجع ، يقال : أصرخت الرجل : إذا أغثته إصراخا ، وقد صرخ الصارخ يصرخ ، ويصرخ قليلة وهو الصريخ والصراخ . وبنحو الذي قلنا