محمد بن جرير الطبري
125
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لَأَزِيدَنَّكُمْ قال : من طاعتي . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا مالك بن مغول ، عن أبان بن أبي عياش ، عن الحسن ، في قوله : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قال : من طاعتي . ولا وجه لهذا القول من طاعتي يفهم ، لأنه لم يجر للطاعة في هذا الموضع ذكر ، فيقال : إن شكرتموني عليها زدتكم منها ، وإنما جرى ذكر الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم ، فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام : زادهم من نعمه ، لا مما لم يجر له ذكر من الطاعة ، إلا أن يكون أريد به : لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر لأزيدنكم من أسباب الشكر ما يعينكم عليه ، فيكون ذلك وجها . وقوله : وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ يقول : ولئن كفرتم أيها القوم نعمة الله ، فجحدتموها ، بترك شكره عليها ، وخلافه في أمره ونهيه وركوبكم معاصيه ؛ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ : أعذبكم كما أعذب من كفر بي من خلقي . وكان بعض البصريين يقول في معنى قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ويقول : " إذ " من حروف الزوائد . وقد دللنا على فساد ذلك فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ يقول تعالى ذكره : وَقالَ مُوسى لقومه : إِنْ تَكْفُرُوا أيها القوم ، فتجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليكم أنتم ، ويفعل في ذلك مثل فعلكم مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عنكم وعنهم من جميع خلقه ، لا حاجة به إلى شكركم إياه على نعمه عند جميعكم ، حَمِيدٌ ذو حمد إلى خلقه بما أنعم به عليهم . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي : فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ قال : غني عن خلقه ، حَمِيدٌ قال : مستحمد إليهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل موسى لقومه : يا قوم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول : خبر الذين من قبلكم من الأمم التي مضت قبلكم ، قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وقوم عاد فبين بهم عن " الذين " ، وعاد معطوف بها على قوم نوح . وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني : من بعد قوم نوح وعاد وثمود . لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ يقول : لا يحصي عددهم ولا يعلم مبلغهم إلا الله . كما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون : وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ قال : كذب النسابون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود بمثل ذلك . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : ثنا ابن مسعود ، أنه كان يقرؤها : " وعادا وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " ثم يقول : كذب النسابون . حدثني ابن المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عيسى بن جعفر ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله ، مثله . وقوله : جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يقول : جاءت هؤلاء الأمم رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم بدعائهم إلى إخلاص العبادة له بالبينات ، يعني بالحجج الواضحات والدلالات البينات الظاهرات على حقيقة