محمد بن جرير الطبري
120
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " ومن عنده علم الكتاب عند الله علم الكتاب . وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري . فإذا كان ذلك كذلك وكانت قراء الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى ، وهي : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قراء الأمصار أولى بالصواب ممن خالفه ، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب . آخر تفسير سورة الرعد ، والحمد لله الصادق الوعد . [ تفسير سورة إبراهيم ] القول في تأويل قوله تعالى : الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ . . . إِلَى النُّورِ . . . الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قال أبو جعفر الطبري : قد تقدم منا البيان عن معنى قوله الر فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضوع . وأما قوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ فإن معناه : هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد ؛ يعني القرآن . لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول : لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه ، وتبصر به أهل الجهل والعمى سبل الرشاد والهدى . وقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني : بتوفيق ربهم لهم بذلك ولطفه بهم . إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني : إلى طريق الله المستقيم ، وهو دينه الذي ارتضاه وشرعه لخلقه . والحميد : فعيل ، صرف من مفعول إلى فعيل ، ومعناه : المحمود بآلائه ، وأضاف تعالى ذكره إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لهم بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو الهادي خلقه والموفق من أحب منهم للإيمان ، إذ كان منه دعاؤهم إليه ، وتعريفهم ما لهم فيه وعليهم ، فبين بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كسبا ، وإلى الله جل ثناؤه إنشاء وتدبيرا ، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله في ذلك صنع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ : أي من الضلالة إلى الهدى . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والشام : اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ برفع اسم الله على الابتداء ، وتصيير قوله : الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ خبره . وقرأته عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة : اللَّهِ الَّذِي بخفض اسم الله على اتباع ذلك الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وهما خفض . وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرئ كذلك ، فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض ويقول : معناه : بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، الذي له ما في السماوات ، ويقول : هو من المؤخر الذي معناه التقديم ، ويمثله بقول القائل : مررت بالظريف عبد الله ، والكلام الذي يوضع مكان الاسم : النعت ، ثم يجعل الاسم مكان النعت ، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم كما قال بعض الشعراء : لو كنت ذا نبل وذا شزيب * ما خفت شدات الخبيث الذيب وأما الكسائي فإنه كان يقول فيما ذكر عنه من خفض أراد أن يجعله كلاما واحدا وأتبع الخفض