محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل ، بفتح الذكر في الساعة الأولى الذي لم يره أحد غيره ، يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء " . حدثني محمد بن سهل بن عسكر ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمس مئة عام ، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت ، والدفتان لوحان لله ، كل يوم ثلاث مئة وستون لحظة ، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان ، قال : ثني رجل ، عن أبيه ، عن قيس بن عباد ، أنه قال : العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء . القول في تأويل قوله تعالى : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ فقال بعضهم : معناه : وعنده الحلال والحرام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا محمد بن عقبة ، قال : ثنا مالك بن دينار ، قال : سألت الحسن : قلت : أُمُّ الْكِتابِ قال : الحلال والحرام ، قال : قلت : فما الحمد لله رب العالمين ؟ قال : هذه أم القرآن . وقال آخرون : معناه : وعنده جملة الكتاب وأصله . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال : جملة الكتاب وأصله . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال : كتاب عند رب العالمين . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن يوسف ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال : جملة الكتاب وعلمه ؛ يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يقول : وجملة ذلك عنده في أم الكتاب : الناسخ والمنسوخ ، وما يبدل ، وما يثبت ، كل ذلك في كتاب . وقال آخرون في ذلك ، ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن شيبان ، عن ابن عباس ، أنه سأل كعبا عن أم الكتاب ، قال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون ، فقال لعلمه : كن كتابا فكان كتابا . وقال آخرون : هو الذكر . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج قال أبو جعفر : لا أدري فيه ابن جريج أم لا قال : قال ابن عباس : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال : الذكر . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : وعنده أصل الكتاب وجملته ؛ وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، ثم عقب ذلك بقوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ فكان بينا أن معناه : وعنده أصل المثبت منه والممحو ، وجملته في كتاب لديه . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَيُثْبِتُ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : " ويثبت " بتشديد الباء بمعنى : ويتركه ويقره على حاله ، فلا يمحوه . وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين : وَيُثْبِتُ بالتخفيف ، بمعنى : يكتب ، وقد بينا قبل أن معنى ذلك عندنا : إقراره مكتوبا وترك محوه على ما قد بينا ، فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيت به أولى ، والتشديد أصوب من التخفيف ، وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد والتشديد إلى التخفيف ، لتقارب معنييهما . وأما المحو ، فإن للعرب فيه لغتين : فأما مضر فإنها تقول : محوت الكتاب أمحوه محوا ، وبه التنزيل ، ومحوته أمحاه محوا . وذكر عن بعض قبائل ربيعة : أنها