محمد بن جرير الطبري

110

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاجتنبوا معاصيه وأدوا فرائضه . وقوله : وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يقول : وعاقبة الكافرين بالله النار . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ يقول تعالى ذكره : والذين أنزلنا إليهم الكتاب ممن آمن بك واتبعك يا محمد يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ منه . وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يقول : ومن أهل الملل المتحزبين عليك ، وهم أهل أديان شتى ، من ينكر بعض ما أنزل إليك ، فقل لهم : إِنَّما أُمِرْتُ أيها القوم أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وحده دون ما سواه وَلا أُشْرِكَ بِهِ فأجعل له شريكا في عبادتي ، فأعبد معه الآلهة والأصنام ، بل أخلص له الدين حنيفا مسلما . إِلَيْهِ أَدْعُوا يقول : إلى طاعته ، وإخلاص العبادة له أدعو الناس . وَإِلَيْهِ مَآبِ يقول : وإليه مصيري ، وهو مفعل من قول القائل : آب يئوب أوبا ومآبا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدقوا به قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني اليهود والنصارى . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قال : من أهل الكتاب . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ من أهل الكتاب والأحزاب أهل الكتب ، تفريقهم لحزبهم . قوله : وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ قال : لتحزبهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن جريج ، وقال عن مجاهد : يُنْكِرُ بَعْضَهُ قال : بعض القرآن . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَإِلَيْهِ مَآبِ : وإليه مصير كل عبد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ قال : هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فيفرحون بذلك . وقرأ : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وفي قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قال : الأحزاب : الأمم اليهود والنصارى والمجوس منهم من آمن به ، ومنهم من أنكره . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ يقول تعالى ذكره : وكما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد ، فأنكره بعض الأحزاب ، كذلك أيضا أنزلنا الحكم والدين حكما عربيا ؛ وجعل ذلك عربيا ، ووصفه به لأنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو عربي ، فنسب الدين إليه إذ كان عليه أنزل ، فكذب به الأحزاب . ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنزل إليه واتباع الأحزاب ، وتهدده على ذلك إن فعله ، فقال : ولئن اتبعت يا محمد أهواءهم ، أهواء هؤلاء الأحزاب ورضاهم ومحبتهم ، وانتقلت من دينك إلى دينهم ، ما لك من يقيك من عذاب الله إن عذبك على اتباعك أهواءهم ، ومالك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك ، يقول : فاحذر أن تتبع أهواءهم . القول في تأويل قوله تعالى :