محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بظن . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن قتادة ، قوله : أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ والظاهر من القول : هو الباطل . عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك في قوله : أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يقول : أم بباطل من القول وكذب ، ولو قالوا ، قالوا الباطل والكذب . وقوله : بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ يقول تعالى ذكره : ما لله من شريك في السماوات ولا في الأرض ، ولكن زين للمشركين الذي يدعون من دونه إلها مكرهم ، وذلك افتراؤهم وكذبهم على الله . وكان مجاهد يقول : معنى المكر هاهنا : القول ، كأنه قال : قولهم بالشرك بالله . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال : قولهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وأما قوله : وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراء الكوفيين : وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ بضم الصاد ، بمعنى : وصدهم الله عن سبيله لكفرهم به ، ثم جعلت الصاد مضمومة ، إذ لم يسم فاعله . وأما عامة قراء الحجاز والبصرة ، فقرءوه بفتح الصاد ، على معنى أن المشركين هم الذين صدوا الناس عن سبيل الله . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء ، متقاربتا المعنى ؛ وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به ، وهم مع ذلك كانوا يصدون غيرهم ، كما وصفهم الله به بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وقوله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ يقول تعالى ذكره : ومن أضله الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه ، فما له أحد يهديه لإصابتهما ؛ لأن ذلك لا ينال إلا بتوفيق الله ومعونته ، وذلك بيد الله وإليه دون كل أحد سواه . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الكفار الذين وصف صفتهم في هذه السورة عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والإسار والآفات التي يصيبهم الله بها . وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ يقول : ولتعذيب الله إياهم في الدار الآخرة أشد من تعذيبه إياهم في الدنيا وأشق ، إنما هو " افعل " من المشقة . وقوله : وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء الكفار من أحد يقيهم من عذاب الله إذا عذبهم ، لا حميم ولا ولي ولا نصير ، لأنه جل جلاله لا يعاده أحد فيقهره فيخلصه من عذابه بالفهر ، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وليس يأذن لأحد في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه . القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . . وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع " المثل " ، فقال بعض نحويى الكوفيين الرافع للمثل قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في المعنى ، وقال : هو كما تقول حلية فلان أسمر كذا وكذا ، فليس الأسمر بمرفوع بالحلية ، إنما هو ابتداء ؛ أي هو أسمر هو كذا . قال : ولو دخل أن في مثل هذا كان صوابا . قال : ومثله في الكلام