محمد بن جرير الطبري
106
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قال : السرايا : كان يبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم . أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ أنت يا محمد . حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ قال : فتح مكة . حدثنا أحمد بن إسحاق قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن بعض أصحابه ، عن مجاهد : تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قال : كتيبة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قال : قارعة من العذاب . وقال آخرون : معنى قوله : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ تحل القارعة قريبا من دارهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : قال الحسن : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قال : أو تحل القارعة قريبا من دارهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قال : أو تحل القارعة . وقال آخرون في قوله : حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ هو : يوم القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا معلى بن أسد ، قال : ثنا إسماعيل بن حكيم ، عن رجل قد سماه عن الحسن ، في قوله : حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ قال : يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد إن يستهزئ هؤلاء المشركون من قومك ويطلبوا منك الآيات تكذيبا منهم ما جئتهم به ، فاصبر على أذاهم لك وامض لأمر ربك في إعذارهم والإعذار إليهم ، فلقد استهزأت أمم من قبلك قد خلت فمضت برسلي ، فأطلت لهم في المهل ومددت لهم في الأجل ، ثم أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم ، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم ، ألم أذقهم أليم العذاب وأجعلهم عبرة لأولي الألباب . والإملاء في كلام العرب : الإطالة ، يقال منه : أمليت لفلان : إذا أطلت له في المهل ، ومنه الملاوة من الدهر ، ومنه قولهم : تمليت حينا ، ولذلك قيل لليل والنهار : " الملوان " لطولهما ، كما قال ابن مقبل : ألا يا ديار الحي بالسبعان * ألح عليها بالبلى الملوان وقيل للخرق الواسع من الأرض : " ملا " ، كما قال الشاعر : فاخضل منها كل بال وعين * وجف الروايا بالملا المتباطن لطول ما بين طرفيه وامتداده . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ . . . بَلْ زُيِّنَ يقول تعالى ذكره : أفالرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق ، متضمن لها ، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال ، رقيب عليهم ، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا ؛ كمن هو ها لك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئا ، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرا ، ولا يجلب إليهما نفعا ؟ كلاهما سواء . وحذف الجواب في ذلك فلم يقل وقد قيل أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ككذا وكذا ، اكتفاء بعلم السامع بما ذكر عما ترك ذكره . وذلك أنه لما قال جل ثناؤه : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ علم أن معنى الكلام كشركائهم التي اتخذوها آلهة ، كما قال الشاعر :