محمد بن جرير الطبري
101
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما " . حدثنا الحسن بن شبيب ، قال : ثنا محمد بن زياد الجريري ، عن فرات بن أبي الفرات ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ : شجرة غرسها الله بيده ، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم حدثه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا قال له : يا رسول الله ما طوبى ؟ قال : " شجرة في الجنة مسيرة مئة سنة ، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " . فعلى هذا التأويل الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرواية به ، يجب أن يكون القول في رفع قوله : طُوبى لَهُمْ خلاف القول الذي حكيناه عن أهل العربية فيه . وذلك أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طوبى اسم شجرة في الجنة ، فإذا كان كذلك فهو اسم لمعرفة كزيد وعمرو . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن في قوله : وَحُسْنُ مَآبٍ إلا الرفع عطفا به على " طوبى " . وأما قوله : وَحُسْنُ مَآبٍ فإنه يقول : وحسن منقلب ؛ كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَحُسْنُ مَآبٍ قال : حسن منقلب . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ يقول تعالى ذكره : هكذا أرسلناك يا محمد في جماعة من الناس ، يعني إلى جماعة قد خلت من قبلها جماعات على مثل الذي هم عليه ، فمضت ؛ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يقول : لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك . وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يقول : وهم يجحدون وحدانية الله ، ويكذبون بها . قُلْ هُوَ رَبِّي يقول : إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إليهم يا محمد بالرحمن ، فقل : أنت الله ربي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ يقول : وإليه مرجعي وأوبتي . وهو مصدر من قول القائل : تبت متابا وتوبة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب : " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله " . فقال مشركو قريش : لئن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلناك لقد ظلمناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا يا رسول الله نقاتلهم فقال : " لا ، ولكن اكتبوا كما يريدون إني محمد بن عبد الله " فلما كتب الكاتب : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه ؛ وكان أهل الجاهلية يكتبون : " باسمك اللهم " ، فقال أصحابه : يا رسول الله دعنا نقاتلهم قال : " لا ولكن اكتبوا كما يريدون " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قوله : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ الآية ، قال : هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية كتب : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قالوا : لا تكتب الرحمن ، وما ندري ما الرحمن ، ولا تكتب إلا باسمك اللهم قال الله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ