محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حسمى ، وكان صاحب بادية له شاء وإبل ، فقالوا : يا أبانا قدمنا على خير رجل أنزلنا فأكرم منزلنا وكان لنا فأوفانا ولم يبخسنا ، وقد أمرنا أن نأتيه بأخ لنا من أبينا ، وقال : إن أنتم لم تفعلوا فلا تقربني ولا تدخلن بلدي فقال لهم يعقوب : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ واختلفت القراء في قراءة قوله : نَكْتَلْ ، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والكوفة نَكْتَلْ بالنون ، بمعنى : نكتل نحن وهو . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " يكتل " بالياء ، بمعنى يكتل هو لنفسه كما نكتال لأنفسنا . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . وذلك أنهم إنما أخبروا أباهم أنه منع منهم زيادة الكيل على عدد رؤوسهم ، فقالوا : يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم ليكتال لنفسه ، فهو إذن اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم ، فقد دخل الأخ في عددهم . فسواء كان الخبر بذلك عن خاصة نفسه ، أو عن جميعهم بلفظ الجميع ، إذ كان مفهوما معنى الكلام وما أريد به . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يقول تعالى ذكره : قال أبوهم يعقوب : هل آمنكم على أخيكم من أبيكم الذي تسألوني أن أرسله معكم إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبل ؟ يقول : من قبله . واختلفت القراء في قراءة قوله : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً بمعنى : والله خيركم حفظا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض أهل مكة : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً بالألف على توجيه الحافظ إلى أنه تفسير للخبر ، كما يقال : هو خير رجلا ، والمعنى : فالله خيركم حافظا ، ثم حذفت الكاف والميم . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما أهل علم بالقرآن . فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وذلك أن من وصف الله بأنه خيرهم حفظا فقد وصفه بأنه خيرهم حافظا ، ومن وصفه بأنه خيرهم حافظا فقد وصفه بأنه خيرهم حفظا . وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يقول : والله أرحم راحم بخلقه ، يرحم ضعفي على كبر سني ، ووحدتي بفقد ولدي ، فلا يضيعه ، ولكنه يحفظه حتى يرده علي لرحمته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ يقول تعالى ذكره : ولما فتح إخوة يوسف متاعهم الذي حملوه من مصر من عند يوسف ، وجدوا بضاعتهم ، وذلك ثمن الطعام الذي اكتالوه منه ردت إليهم . قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يعني أنهم قالوا لأبيهم : ماذا نبغي ؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا تطييبا منهم لنفسه بما صنع بهم في رد بضاعتهم إليه . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى كانت " ما " استفهاما في موضع نصب بقوله : نَبْغِي . وإلى هذا التأويل كان يوجهه قتادة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما نَبْغِي يقول : ما نبغي وراء هذا ، إن بضاعتنا ردت إلينا ، وقد أوفى لنا الكيل وقوله : وَنَمِيرُ أَهْلَنا يقول : ونطلب لأهلنا طعاما فنشتريه لهم ، يقال منه : مار فلان أهله يميرهم ميرا ، ومنه قول الشاعر : بعثتك مائرا فمكثت حولا * متى يأتي غياثك من تغيث وَنَحْفَظُ أَخانا الذي ترسله معنا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يقول : ونزداد على أحمالنا من الطعام حمل بعير يكال لنا ما حمل بعير آخر من إبلنا ، ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ يقول : هذا حمل يسير . كما : حدثني الحرث ، قال : ثنا القاسم