محمد بن جرير الطبري

7

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

شكروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها . يقول الله : أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يغفرها لهم ، ولا يفضحهم بها في معادهم . وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يقول : ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ثواب على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا جزيل ، وجزاء عظيم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : إلا الذين صبروا عند البلاء وعملوا الصالحات عند النعمة ، لهم مغفرة لذنوبهم ، وأجر كبير . قال : الجنة القول في تأويل قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله علية وسلم : فلعلك يا محمد تارك بعض ما يوحي إليك ربك أن تبلغه من أمرك بتبليغه ذلك ، وضائق بما يوحى إليك صدرك فلا تبلغه إياهم مخافة أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ له مصدق بأنه لله رسول . يقول تعالى ذكره : فبلغهم ما أوحيته إليك ، فإنك إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ تنذرهم عقابي وتحذرهم بأسي على كفرهم بي ، وإنما الآيات التي يسألونكها عندي وفي سلطاني أنزلها إذا شئت ، وليس عليك إلا البلاغ والإنذار . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يقول : والله القيم بكل شيء وبيده تدبيره ، فانفذ لما أمرتك به ، ولا يمنعك مسألتهم إياك الآيات ، من تبليغهم وحيي والنفوذ لأمري . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قال الله لنبيه : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ أن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت ، قالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ لا نرى معه مالا ، أين المال ؟ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ينذر معه ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ فبلغ ما أمرت القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول تعالى ذكره لنييه محمد صلى الله علية وسلم كفاك حجة على حقيقة ما أتيتهم به ودلالة على صحة نبوتك هذا القرآن من سائر الآيات غيره ، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه ، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها ، وهذا القرآن جميع الخلق عجزة عن أن يأتوا بمثله . فان هم قالوا : افتريته : أي اختلقته وتكذبته . ودل على أن معنى الكلام ما ذكرنا قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ إلى آخر الآية . ويعني تعالى ذكره بقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي أيقولون افتراه وقد دللنا على سبب إدخال العرب " أم " في مثل هذا الموضع فقل لهم : يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات ، يعني مفتعلات مختلفات ، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترى وليس بآية معجزة كسائر ما سئلته من الآيات ، كالكنز الذي قلتم : هلا أنزل عليه أو الملك الذي قلتم : هلا جاء معه نذيرا له مصدقا فإنكم قومي وأنتم من أهل لساني ، وأنا رجل منكم ، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مئة سورة وأربع عشرة سورة ، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلفوا عشر سور مثلها ، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق . يقول جل ثناؤه : قل لهم : وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله ، يعني سوى الله ، لا فتراء ذلك واختلاقه من الآلهة ، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله ، فقد تبين لكم أنكم كذبة في قولكم افتراه ، وصحت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله ، ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم ، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدقون بمجيئها . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لقوله : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ وإنما هو : قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد ، وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك من الآلهة والأنداد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريح : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قد قالوه ؛ قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا شهداءكم قال : يشهدون أنها مثله هكذا قال القاسم في حديثه القول