محمد بن جرير الطبري

87

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولم يخلقهم للعذاب وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من قال : وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم ؛ لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه : أحدهما أهل اختلاف وباطل ، والآخر أهل حق ثم عقب ذلك بقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ فعم بقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ صفة الصنفين ، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميسر لما خلق له . فإن قال قائل : فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت ، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم ، إذ كان لذلك خلقهم ربهم ، وأن يكون المتمتعون هم الملومين ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت وإنما معنى الكلام : ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فهداه للحق ولعلمه ، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر ، والشقي والسعيد خلقهم ، فمعنى اللام في قوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ بمعنى " على " كقولك للرجل : أكرمتك على برك بي ، وأكرمتك لبرك بي . وأما قوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله ، وخلافهم أمره . وقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قسم كقول القائل : حلفى لأزورنك ، وبدا لي لآتينك ؛ ولذلك تلقيت بلام اليمين . وقوله : مِنَ الْجِنَّةِ وهي ما اجتن عن أبصار بني آدم والناس ، يعني : وبني آدم . وقيل : إنهم سموا جنة ، لأنهم كانوا على الجنان . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك : وإنما سموا الجنة أنهم كانوا على الجنان ، والملائكة كلهم جنة حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك ، قال : الجنة : الملائكة وأما معنى قول أبى مالك هذا : أن إبليس كان من الملائكة ، والجن ذريته ، وأن الملائكة تسمى عنده الجن ، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا . القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ يقول تعالى ذكره : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ يا محمد مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ الذين كانوا قبلك ، ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ فلا تجزع من تكذيب من كذبك من قومك ورد عليك ما جئتهم به ، ولا يضق صدرك فتترك بعض ما أنزلت إليك من أجل أن قالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إذا علمت ما لقى من قبلك من رسلي من أممها . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ قال : لتعلم ما لقيت الرسل قبلك من أممهم . وأختلف أهل العربية في وجه نصب " كلا " ، فقال بعض نحوبي البصرة : نصب على معنى : ونقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك كلا ؛ كأن الكل منصوب عنده على المصدر من نقص بتأويل : ونقص عليك ذلك كل القصص وقد أنكر ذلك قوله بعض أهل العربية ، وقال : ذلك غير جائز وقال إنما نصبت " كلا " ب " نقص " ، لأن " كلا " بنيت على الإضافة كان معها إضافة أو لم يكن . وقال : أراد : كله نقص عليك ، وجعل " ما نثبت " ردا على " كلا " . وقد بينت الصواب من القول في ذلك . وأما قوله : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : وجاءك في هذه السورة الحق . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شعبة ، عن خليد بن جعفر ، عن أبي إياس ، عن أبي موسى : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال : في هذه السورة حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن خليد بن جعفر ، عن أبي إياس معاوية بن قرة ، عن أبي موسى ، مثله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثني سعيد بن عامر ، قال : ثنا عوف ، عن أبي رجاء ، عن ابن عباس ، في قوله : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال : في هذه السورة حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن عمرو العنبري ، عن ابن عباس : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال : في هذه السورة حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن رجل من بني العنبر ، قال : خطبنا ابن عباس فقال : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال : في هذه