محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَشْياءَهُمْ . . . مُفْسِدِينَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل شعيب لقومه : أوفوا الناس الكيل والميزان بالقسط ، يقول : بالعدل ، وذلك بأن توفوا أهل الحقوق التي هي مما يكال أو يوزن حقوقهم على ما وجب لهم من التمام بغير بخس ولا نقص . وقوله : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول ؛ ولا تنقصوا الناس حقوقهم التي يجب عليكم أن توفوهم كيلا أو وزنا أو غير ذلك . كما : حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا علي بن صالح بن حي ، قال : بلغني في قوله : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قال : لا تنقصوهم حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول : لا تظلموا الناس أشياءهم وقوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : ولا تسيروا في الأرض تعملون فيها بمعاصي الله . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قال : لا تسيروا في الأرض حدثنا عن المسيب ، عن أبي روق ، عن الضحاك : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : لا تسعوا في الأرض مفسدين ، يعني : نقصان الكيل والميزان القول في تأويل قوله تعالى : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يعني تعالى ذكره بقوله : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان بالقسط ، فأحله لكم ، خير لكم من الذي يبقى لكم ببخسكم الناس من حقوقهم بالمكيال والميزان ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول : إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده وحلاله وحرامه . وهذا قول روي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل . وقد اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : معناه طاعة الله خير لكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال : طاعة الله خير لكم حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : بَقِيَّتُ اللَّهِ قال : طاعة الله خَيْرٌ لَكُمْ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بَقِيَّتُ اللَّهِ قال : طاعة الله حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال : طاعة الله خير لكم حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال : طاعة الله حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . وقال آخرون : معنى ذلك : حظكم من ربكم خير لكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حظكم من ربكم خير لكم حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال : حظكم من الله خير لكم وقال آخرون : معناه : رزق الله خير لكم . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عمن ذكره ، عن ابن عباس : بَقِيَّتُ اللَّهِ قال رزق الله وقال ابن زيد في قوله ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال : الهلاك في العذاب ، والبقية في الرحمة وإنما اخترت في تأويل ذلك القول الذي اخترته ، لأن الله تعالى ذكره إنما تقدم إليهم بالنهي عن بخس الناس أشياءهم في المكيال والميزان ، وإلى ترك التطفيف في الكيل والبخس في الميزان دعاهم شعيب ، فتعقيب ذلك بالخبر عما لهم من الحظ في الوفاء في الدنيا والآخرة أولى ، مع أن قوله : بَقِيَّتُ إنما هي مصدر من قول القائل بقيت بقية من كذا ، فلا وجه لتوجيه معنى ذلك إلا إلى : بقية الله التي أبقاها لكم مما لكم بعد وفائكم الناس حقوقهم خير لكم من بقيتكم من الحرام الذي يبقى لكم من ظلمكم الناس ببخسهم إياهم في الكيل والوزن . وقوله : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يقول : وما أنا عليكم أيها الناس برقيب أرقبكم عند كيلكم