محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وجهها عجبا ، فذلك قوله : فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالت : أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قالت سارة : ما آية ذلك ؟ قال : فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه ، فاهتز أخضر ، فقال إبراهيم : هو لله إذا ذبيحا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : فضحكت يعني سارة لما عرفت من أمر الله جل ثناؤه ولما تعلم من قوم لوط فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب بابن وبابن ابن ، فقالت وصكت وجهها يقال : ضربت على جبينها : يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ إلى قوله : إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء العراق والحجاز : " ومن وراء إسحاق يعقوب " برفع " يعقوب " ، ويعيد ابتداء الكلام بقوله . وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وذلك وإن كان خبرا مبتدأ ، ففيه دلالة على معنى التبشير . وقرآه بعض قراء أهل الكوفة والشام : وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ نصبا ؛ فأما الشامي منهما فذكر أنه كان ينحو بيعقوب نحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة ، كأنه قال : ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب ، فلما لم يظهر " وهبنا " عمل فيه التبشير وعطف به على موضع " إسحاق " ، إذ كان إسحاق وإن كان مخفوضا فإنه بمعنى المنصوب بعمل " بشرنا " فيه ، كما قال الشاعر : جئني بمثل بني بدر لقومهم * أو مثل أسرة منظور بن سيار أو عامر بن طفيل في مركبه * أو حارثا يوم نادى القوم يا حار وأما الكوفي منهما فإنه قرآه بتأويل الخفض فيما ذكر عنه ، غير أنه نصبه لأنه لا يجرى . وقد أنكر ذلك أهل العلم بالعربية من أجل دخول الصفة بين حرف العطف والاسم ، وقالوا : خطأ أن يقال : مررت بعمرو في الدار وفي الدار زيد ، وأنت عاطف بزيد على عمرو ، إلا بتكرير الباء وإعادتها ، فإن لم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع وجاز النصب ، فإن قدم الاسم على الصفة جاز حينئذ الخفض ، وذلك إذا قلت : مررت بعمرو في الدار وزيد في البيت . وقد أجاز الخفض والصفة معترضة بين حرف العطف والاسم بعض نحويي البصرة . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه رفعا ، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب ، والذي لا يتناكره أهل العلم بالعربية ، وما عليه قراءة الأمصار . فأما النصب فيه فإن له وجها ، غير أني لا أحب القراءة به ، لأن كتاب الله نزل بأفصح ألسن العرب ، والذي هو أولى بالعلم بالذي نزل به من الفصاحة . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ يقول تعالى ذكره : قالت سارة لما بشرت بإسحاق أنها تلد تعجبا مما قيل لها من ذلك ، إذ كانت قد بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء ، وقيل : إنها كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة وإبراهيم ابن مئة سنة ، وقد ذكرت الرواية فيما روي في ذلك عن مجاهد قبل . وأما ابن إسحاق ، فإنه قال في ذلك ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كانت سارة يوم بشرت بإسحاق فيما ذكر لي بعض أهل العلم ابنة تسعين سنة ، وإبراهيم ابن عشرين ومئة سنة يا وَيْلَتى وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء والاستنكار للشيء ، فيقولون عند التعجب : ويل أمه رجل ما أرجله . وقد اختلف أهل العربية في هذه الألف التي في : يا وَيْلَتى فقال بعض نحويي البصرة : هذه ألف حقيقة ، إذا وقفت قلت : يا ويلتاه ، وهي مثل ألف الندبة ، فلطفت من أن تكون في السكت ، وحملت بعدها الهاء لتكون أبين لها وأبعد في الصوت ؛ وذلك لأن الألف إذا كانت بين حرفين كان لها صدى كنحو الصوت يكون في جوف الشيء فيتردد فيه ، فتكون