محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وراء الستر تستمع كلام الرسل وكلام إبراهيم عليه السلام . وقيل : كانت قائمة تخدم الرسل وإبراهيم جالس مع الرسل . وقوله : فَضَحِكَتْ اختلف أهل التأويل في معنى قوله فَضَحِكَتْ وفي السبب الذي من أجله ضحكت ، فقال بعضهم : ضحكت الضحك المعروف تعجبا من أنها وزوجها إبراهيم يخدمان ضيفانهم بأنفسهما تكرمة لهم ، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب ، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه . فلما رآهم إبراهيم أجلهم فراغ إلى أهله ، فجاء بعجل سمين ، فذبحه ثم شواه في الرضف ، فهو الحنيذ حين شواه . وأتاهم فقعد معهم ، وقامت سارة تخدمهم ، فذلك حين يقول : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وهو جالس . في قراءة ابن مسعود " فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون " قالوا : يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال : فإن لهذا ثمنا . قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره . فنظر جبرئيل إلى ميكائيل فقال : حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا . فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ يقول : لا يأكلون ، فزع منهم وأوجس منهم خيفة ؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ، ضحكت وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء ، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا وقال آخرون : بل ضحكت من أن قوم لوط في غفلة وقد جاءت رسل الله لهلاكهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاءوا فيه ، فضحكت امرأته وعجبت من أن قوما أتاهم العذاب وهم في غفلة ، فضحكت من ذلك وعجبت ، فبشرناها بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أنه قال : ضحكت تعجبا مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب وقال آخرون : بل ضحكت ظنا منها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط . ذكر من قال ذلك ذلك : حدثنا الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن قيس ، في قوله : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ قال : لما جاءت الملائكة ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط وقال آخرون : بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الروع . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الكلبي : فَضَحِكَتْ قال : ضحكت حين راعوا إبراهيم مما رأت من الروع بإبراهيم وقال آخرون : بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول : لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام فرآهم ، راعه هيئتهم وجمالهم ، فسلموا عليه ، وجلسوا إليه ، فقام فأمر بعجل سمين ، فحنذ له ، فقرب إليهم الطعام . فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ، وسارة وراء البيت تسمع ؛ قالوا : لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم مبارك وبشر به امرأته سارة ، فضحكت وعجبت كيف يكون لي ولد وأنا عجوز وهو شيخ كبير فقالوا : أتعجبين من أمر الله ؟ فإنه قادر على ما يشاء ، فقد وهبه الله لكم فأبشروا به وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبا . . . : إن هذا من المقدم الذي معناه التأخير ، وكان معنى الكلام عنده : وامرأته قائمة ، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، فضحكت وقالت : يا ويلتا ء ألد وأنا عجوز وقال آخرون : بل معنى قوله : " فضحكت " في هذا الموضع : فحاضت . ذكر من قال ذلك حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، عن علي بن هارون ، عن عمرو بن الأزهر ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله : فَضَحِكَتْ قال : حاضت ، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة . قال : وكان إبراهيم ابن مئة سنة وقال آخرون : بل ضحكت سرورا بالأمن منهم لما قالوا لإبراهيم : لا تخف ،