محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله فدعا صالح ربه ، فأخرج لهم الناقة ، فكان شربها يوما وشربهم يوما معلوما . فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء وحلبوها لبنا ، ملئوا كل إناء ووعاء وسقاء ، حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ، فلم تشرب منه شيئا ، فملئوا كل إناء ووعاء وسقاء . فأوحى الله إلى صالح : إن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ، فقالوا : ما كنا لنفعل فقال : إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود . قالوا : ما علامة ذلك المولود ؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه قال : فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر . قال : وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان ، لأحدهما ابن يرغب به عن المناكح ، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا ، فجمع بينهما مجلس ، فقال أحدهما لصاحبه : ما يمنعك أن تزوج ابنك ؟ قال : لا أجد له كفوا ، قال : فإن ابنتي كفو له ، وأنا أزوجك فزوجه ، فولد بينهما ذلك المولود . وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ، ولا يصلحون ، فلما قال لهم صالح : إنما يعقرها مولود فيكم ، اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية ، وجعلوا معهن شرطا كانوا يطوفون في القرية ، فإذا وجدوا المرأة تمخض ، نظروا ما ولدها إن كان غلاما قلبنه ، فنظرن ما هو ، وإن كانت جارية أعرضن عنها ، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة وقلن : هذا الذي يريد رسول الله صالح فأراد الشرط أن يأخذوه ، فحال جذاه بينهم وبينه وقالا : لو أن صالحا أراد هذا قتلناه فكان شر مولود ، وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة ، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر ، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة . فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وفيهم الشيخان ، فقالوا نستعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه ، فكانوا تسعة . وكان صالح لا ينام معهم في القرية ، كان في مسجد يقال له مسجد صالح ، فيه يبيت بالليل ، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم ، وإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه " . قال حجاج : وقال ابن جريج : " لما قال لهم صالح : إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه ، قالوا فكيف تأمرنا ؟ قال : آمركم بقتلهم فقتلوهم إلا واحدا . قال : فلما بلغ ذلك المولود قالوا : لو كنا لم نقتل أولادنا ، لكان لكل رجل منا مثل هذا ، هذا عمل صالح . فأتمروا بينهم بقتله ، وقالوا : نخرج مسافرين والناس يروننا علانية ، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله ، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه ، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضختهم ، فأصبحوا رضخا . فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم ، فإذاهم رضخ ، فرجعوا يصيحون في القرية : أي عباد الله ، أما رضي صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم ؟ فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعون ، وأحجموا عنها إلا ذلك الابن العاشر . " ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله ، قال : " وأرادوا أن يمكروا بصالح ، فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح ، فاختبا فيه ثمانية ، وقالوا : إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم فأمر الله الأرض فاستوت عليهم " . قال : " فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة ، فقال الشقي لأحدهم : ائتها فاعقرها فأتاها فتعاظمه ذلك ، فأضرب عن ذلك ، فبعث آخر فأعظم ذلك ، فجعل لا يبعث رجلا إلا تعاظمه أمرها ؛ حتى مشوا إليها ، وتطاول فضرب عرقوبيها ، فوقعت تركض ، وأتى رحل منهم صالحا ، فقال : أدرك الناقة فقد عمرت فأقبل ، وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه : يا نبي الله إنما عقرها فلان ، إنه لا ذنب لنا . قال : فانظرواهل تدركون فصيلها ، فإن أدركتموه ، فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه ، ولما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلا يقال له القارة قصيرا ، فصعد وذهبوا ليأخذوه ، فأوحى الله إلى الجبل ، فطال في السماء حتى ما يناله الطير " . قال : " ودخل صالح القرية ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سألت دموعه ، ثم استقبل صالحا فرغا زغوة ، ثم رخا أخرى ، ثم رخا أخرى ، فقال صالح لقومه : لكل رغوة أجل يوم تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ألا إن أية العذاب أن اليوم