محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وهؤلاء الذين أحللنا بهم نقمتنا وعذابنا عاد ، جحدوا بأدلة الله وحججه ، وعصوا رسله الذين أرسلهم إليهم للدعاء إلى توحيده واتباع أمره ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يعني كل مستكبر على الله ، حائد عن الحق لا يذعن له ولا يقبله ، يقال منه : عند عن الحق فهو يعند عنودا ، والرجل عاند وعنود ، ومن ذلك قيل للعرق الذي ينفجر فلا يرقأ : عرق عاند : أي ضار ، ومنه قول الراجز : إني كبير لا أطيق العندا حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ المشرك القول في تأويل قوله تعالى : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : وأتبع عاد قوم هود في هذه الدنيا غضبا من الله وسخطة يوم القيامة ، مثلها لعنة إلى اللعنة التي سلفت لهم من الله في الدنيا . أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ يقول : أبعدهم الله من الخير ، يقال : كفر فلان ربه وكفر بربه ، وشكرت لك وشكرتك . وقيل : إن معنى كفروا ربهم : كفروا نعمة ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . . . ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ، فقال لهم : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له ، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة ، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة ، ولا تجوز الألوهة إلا له . هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يقول : هو ابتدأ خلقكم من الأرض . وإنما قال ذلك لأنه خلق آدم من الأرض ، فخرج الخطاب لهم إذ كان ذلك فعله بمن هم منه . وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها يقول : وجعلكم عمارا فيها ، فكان المعنى فيه : أسكنكم فيها أيام حياتكم ، من قولهم : أعمر فلان فلانا داره ، وهي له عمري . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها قال : أعمركم فيها حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها يقول : أعمركم وقوله : فَاسْتَغْفِرُوهُ يقول : اعملوا عملا يكون سببا لستر الله عليكم ذنوبكم ، وذلك الإيمان به وإخلاص العبادة له دون ما سواه واتباع رسوله صالح . ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يقول : ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم إلى ما يرضاه ويحبه . إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ يقول : إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة ، مجيب له إذا دعاه . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا . . . لَفِي شَكٍّ مِمَّا يقول تعالى ذكره : قالت ثمود لصالح نبيهم : يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قَبْلَ هذا القول الذي قلته لنا من أنه ما لنا من إله غير الله . أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا يقول : أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كانت آباؤنا تعبد وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ يعنون أنهم لا يعلمون صحة ما يدعوهم إليه من توحيد الله ، وأن الألوهة لا تكون إلا له خالصا . وقوله مُرِيبٍ أي يوجب التهمة من أربته فأنا أريبه إرابة ، إذا فعلت به فعلا يوجب له الريبة ، ومنه قول الهذلي : كنت إذا أتوته من غيب * يشم عطفي ويبرز ثوبي كأنما أربته بريب " القول في تأويل قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يقول تعالى ذكره : قال صالح لقومه من ثمود : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يقول : إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته