محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مكذبون حتى جاء أمر الله ؛ فلما جاء أمر الله نجى الله هودا والذين آمنوا معه ، وأهلك الله المتمتعين ، ثم بعث الله ثمود ، فبعث إليهم صالحا ، فصدقه مصدقون وكذبه مكذبون ، حتى جاء أمر الله ؛ فلما جاء أمر الله نجى الله صالحا والذين آمنوا معه وأهلك الله المتمتعين ، ثم استقرأ الأنبياء نبيا نبيا على نحو من هذا القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : هذه القصة التي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يقول : هي من أخبار الغيب التي لم تشهدها فتعلمها ، نُوحِيها إِلَيْكَ يقول : نوحيها إليك نحن فنعرفها ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا الوحي الذي نوحيه إليك ، فاصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من مشركي قومك ، كما صبر نوح . إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ يقول : إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله فأدى فرائضه واجتنب معاصيه فهم الفائزون بما يؤملون من النعيم في الآخرة والظفر في الدنيا بالطلبة ، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله أن نجاه من الهلكة مع من آمن به وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة ، وغرق المكذبين به فأهلكهم جميعهم . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا القرآن ، وما كان علم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه ما صنع نوح وقومه ، لولا ما بين الله في كتابه القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا ، فقال لهم : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان . ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول : ليس لكم معبود يستحق العبادة عليكم غيره ، فأخلصوا له العبادة وأفردوه بالألوهة . إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يقول : ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون ، تختلقون الباطل ، لأنه لا إله سواه . القول في تأويل قوله تعالى : يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه : يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله وخلع الأوثان والبراءة منها جزاء وثوابا . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي يقول : إن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم ، ودعائكم إلى الله ، إلا على الذي خلقني . أَ فَلا تَعْقِلُونَ يقول : أفلا تعقلون أني لو كنت ابتغي بدعايتكم إلى الله غير النصيحة لكم وطلب الحظ لكم في الدنيا والآخرة لالتمست منكم على ذلك بعض أعراض الدنيا وطلبت منكم الأجر والثواب ؟ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أي خلقني القول في تأويل قوله تعالى : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يقول : آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم . والاستغفار : هو الإيمان بالله في هذا الموضع ، لأن هودا صلى الله عليه وسلم إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم ، كما قال نوح لقومه : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقوله : ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يقول : ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يقول : فإنكم إن آمنتم بالله وتبتم من كفركم به ، أرسل قطر السماء عليكم يدر لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه ، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ،