محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قال : إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالح حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي سوء ؛ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ يقول : سؤالك عما ليس لك به علم حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن حمزة الزيات ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، قوله : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قال : سؤالك إياي عمل غير صالح ؛ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وقال آخرون : بل معناه : إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتني أن أنجيه عمل غير صالح ، أي أنه لغير رشدة . وقالوا : الهاء في قوله : " إنه " عائدة على الابن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن أنه قرأ : عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قال : ما هو والله بابنه وروي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك : " إنه عمل غير صالح " على وجه الخبر عن الفعل الماضي ، وغير منصوبة . وممن روي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عباس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عينة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سليمان بن قتة ، عن ابن عباس أنه قرأ : " عمل غير صالح " ووجهوا تأويل ذلك إلى ما . حدثا به ابن وكيع ، قال : ثنا غندر ، عن أبن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قال : كان مخالفا له في النية والعمل ولا نعلم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض المتأخرين . واعتل في ذلك بخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند ، وذلك حديث روي عن شهر بن حوشب ، فمرة يقول عن أم سلمة ، ومرة يقول عن أسماء بنت يزيد ، ولا نعلم لبنت يزيد ولا نعلم لشهر سماعا يصح عن أم سلمة . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، وذلك رفع " عمل " بالتنوين ، ورفع " غير " ، يعني إن سؤالك إياي ما تسألنيه في ابنك المخالف دينك الموالي أهل الشرك بي من النجاة من الهلاك ، وقد مضت إجابتي إياك في دعائك : لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم ؛ عمل غير صالح ، لأنه مسألة منك إلى أن لا أفعل ما قد تقدم مني القول بأني أفعله في إجابتي مسألتك إياي فعله ، فذلك هو العمل غير الصالح . وقوله : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ نهي من الله تعالى ذكره نبيه نوحا أن يسأله عن أسباب أفعاله التي قد طوى علمها عنه وعن غيره من البشر . يقول له تعالى ذكره : إني يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهلكته ، فلا تسألن بعدها عما قد طويت علمه عنك من أسباب أفعالي ، وليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين في مسألتك إياي عن ذلك . وكان ابن زيد يقول في قوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أن تبلغ الجهالة بك أن لا أفي لك بوعد وعدتك حتى تسألني ما ليس لك به علم ؛ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ واختلفت القراء في قراءة قوله : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بكسر النون وتخفيفها ، ونحوا بكسرها إلى الدلالة على الياء التي هي كناية اسم الله فَلا تَسْئَلْنِ وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض أهل الشام : " فلا تسألن " بتشديد النون وفتحها ، بمعنى : فلا تسألن يا نوح ما ليس لك به علم . والصواب من القراءة في ذلك عندنا تخفيف النون وكسرها ، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب المستعمل بينهم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ يقول تعالى ذكره مخبرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلته في مسألته التي سألها ربه في ابنه قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أي أستجير بك أن أتكلف مسألتك ، ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ مما قد استأثرت بعلمه وطويت علمه عن خلقك ،