محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

، ثم جعل يعمل سفينة ، ويمرون فيسألونه ، فيقول : أعملها سفينة ، فيسخرون منه ويقولون : تعمل سفينة في البر فكيف تجري ؟ فيقول : سوف تعلمون . فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ؛ فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل ؛ فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل ؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن طول السفينة ثلاث مئة ذراع ، وعرضها خمسون ذراعا ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وبابها في عرضها حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا مبارك ، عن الحسن ، قال : كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومئتي ذراع ، وعرضها ست مئة ذراع حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن مفضل بن فضالة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها قال : فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب ، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه ، قال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا كعب حام بن نوح . قال : فضرب الكثيب بعصاه ، قال : قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب . قال له عيسى : هكذا هلكت ؟ قال : لا ، ولكن مت وأنا شاب ، ولكني ظننت أنها الساعة ، فمن ثم شبت . قال : حدثنا عن سفينة نوح قال : كان طولها ألف ذرع ومئتي ذراع ، وعرضها ست مئة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات ، فطبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإنس ، وطبقة فيها الطير . فلما كثر أرواث الدواب ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث . فلما وقع الفأر بحبل السفينة يقرضه ، أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة ، فأقبلا على الفأر ، فقال له عيسى : كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر ، فوجد جيفة فوقع عليها ، فدعا عليه بالخوف ، فلذلك لا يألف البيوت ، قال : ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها ، فعلم أن البلاد قد غرقت ، قال : فطوقها الخضرة التي في عنقها ، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان ، فمن ثم تألف البيوت . قال : فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا ، فيجلس معنا ، ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال : فقال له : عد بإذن الله ، قال : فعاد ترابا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيد بن عمير الليثي : أنه كان يحدث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح فيخنقونه حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى إذا تمادوا في المعصية ، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة ، وتطاول عليه . وعليهم الشأن ، واشتد عليه منهم البلاء ، وانتظر النجل بعد النجل ، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله ، حتى إن كان الآخر منهم ليقول : قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا . حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى ، كما قص الله علينا في كتابه : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً إلى آخر القصة ، حتى قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً إلى آخر القصة . فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم ، أوحى الله إليه وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي بعد اليوم ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فأقبل نوح على عمل الفلك ، ولهي عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ، ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو . وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله ، فيسخرون منه ويستهزئون به ، فيقول : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ