محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ومسائية . وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين : " عليهم دائرة السوء " بضم السين كأنه جعله اسما ، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب . ومن قال : " عليهم دائرة السوء " فضم ، لم يقل هذا رجل السوء . . . بالضم ، والرجل السوء ، وقال الشاعر : وكنت كذئب السوء لما رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين ، بمعنى : عليهم الدائرة التي تسوءهم سوءا كما يقال هو رجل صدق على وجه النعت . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ . . . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : ومن الأعراب من يصدق الله ويقر بوحدانيته وبالبعث بعد الموت والثواب ، وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين وفي سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ القربات : جمع قربة ، وهو ما قربه من رضا الله ومحبته . وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ، يعني بذلك : ويبتغي بنفقة ما ينفق مع طلب قربته من الله دعاء الرسول واستغفاره له . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن من معاني الصلاة الدعاء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَصَلَواتِ الرَّسُولِ يعني استغفار النبي عليه الصلاة والسلام . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ قال : دعاء الرسول ، قال : هذه ثنية الله من الأعراب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال : هم بنو مقرن من مزينة ، وهم الذين قال الله فيهم : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً قال : هم بنو مقرن من مزينة . حدثنا القاسم قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قوله : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ثم استثنى فقال : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا جعفر ، عن البختري بن المختار العبدي ، قال : سمعت عبد الله بن مغفل قال : كنا عشرة ولد مقرن ، فنزلت فينا : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى آخر الآية . قال الله : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ يقول تعالى ذكره : ألا إن صلوات الرسول قربة لهم من الله ، وقد يحتمل أن يكون معناه : ألا إن نفقته التي ينفقها كذلك قربة لهم عند الله . سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ يقول : سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة ، إن الله غفور لما اجترموا ، رحيم بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول تعالى ذكره : والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم ، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه