محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق : لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ على وجه ما لم يسم فاعله بضم القاف من " قضي " ورفع " الأَجل " . وقرأ عامة أهل الشام : " لقضي إليهم أجلهم " بمعنى : لقضى الله إليهم أجلهم . وهما قراءتان متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أني أقرؤه على وجه ما لم يسم فاعله ، لأَن عليه أكثر القراء . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا أصاب الإِنسان الشدة والجهد دَعانا لِجَنْبِهِ يقول : استغاث بنا في كشف ذلك عنه ، لجنبه : يعني مضطجعا لجنبه . أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضر به . فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ يقول : فلما فرجنا عنه الجهد الذي أصابه ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ يقول : استمر على طريقته الأَولى قبل أن يصيبه الضر ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء ، أو تناساه ، وترك الشكر لربه الذي فرج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به ، وعاد للشرك ودعوى الآلهة والأَوثان أربابا معه . يقول تعالى ذكره : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : كما زين لهذا الإِنسان الذي وصفنا صفته استمراره على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر ، كذلك زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه ، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به ، ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك وبه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك ، حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : دَعانا لِجَنْبِهِ قال : مضطجعا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا يقول تعالى ذكره : ولقد أهلكنا الأَمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم لَمَّا ظَلَمُوا يقول : لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه . وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ من عند الله ، بِالْبَيِّناتِ وهي الآيات والحجج التي تبين عن صدق من جاء بها . ومعنى الكلام : وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق . وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يقول : فلم تكن هذه الأَمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له . كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يقول تعالى ذكره : كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم أيها المشركون بظلمهم أنفسهم وتكذيبهم رسلهم وردهم نصيحتهم ، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم ، إن أنتم لم تنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم ، فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي أن أهلكه بسخطي في الدنيا وأورده النار في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ أيها الناس خَلائِفَ من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا تخلفونهم فِي الْأَرْضِ وتكونون فيها بعدهم . لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يقول : لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلك من الأَمم بذنوبهم وكفرهم بربهم ، تحذون مثالهم فيه ، فتستحقون من العقاب ما استحقوا ، أم تخالفون سبيلهم ، فتؤمنون بالله ورسوله ، وتقرون بالبعث بعد الممات ، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ