محمد بن جرير الطبري
64
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أنهار الجنة . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يقول : في بساتين النعيم الذي نعم الله به أهل طاعته والإِيمان به . فإن قال قائل : وكيف قيل تجري من تحتهم الأَنهار ، وإنما وصف جل ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات ؟ وكيف يمكن الأَنهار أن تجري من تحتهم إلا أن يكونوا فوق أرضها والأَنهار تجري من تحت أرضها ، وليس ذلك من صفة أنهار الجنة ، لأَن صفتها أنها تجري على وجه الأَرض في غير أخاديد ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معنى ذلك : تجري من دونهم الأَنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم ، وذلك نظير قول الله : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . ومعلوم أنه لم يجعل السري تحتها وهي عليه قاعدة ، إذ كان السري هو الجدول ، وإنما عني به جعل دونها : بين يديها ، وكما قال جل ثناؤه مخبرا عن قيل فرعون : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي بمعنى : من دوني بين يدي . وأما قوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فإن معناه : دعاؤهم فيها سبحانك اللهم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرت أن قوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ قال : إذا مر بهم الطير فيشتهونه ، قالوا : سبحانك اللهم وذلك دعواهم ، فيأتيهم الملك بما اشتهوا ، فيسلم عليهم ، فيردون عليه ، فذلك قوله : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ قال : فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم ، فذلك قوله : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ يقول : ذلك قولهم فيها ؛ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبيد الله الأَشجعي ، قال : سمعت سفيان يقول : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ قال : إذا أرادوا الشيء قالوا : اللهم فيأتيهم ما دعوا به . وأما قوله : سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فإن معناه : تنزيها لك يا رب مما أضاف إليك أهل الشرك بك من الكذب عليك والفرية . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي إدريس ، عن غير واحد عطية فيهم : سبحان الله تنزيه لله . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن عمان بن عبد الله بن موهب ، قال : سمعت موسى بن طلحة ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله ، قال : " إبراء الله عن السوء " . حدثنا أبو كريب وأبو السائب وخلاد بن أسلم ، قالوا : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا قابوس ، عن أبيه أبو قابوس : أن ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه عن " سبحان الله " قال : كلمة رضيها الله لنفسه . حدثني نصر بن عبد الرحمن الأَودي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن سفيان بن سعيد الثوري عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحي ، عن موسى بن طلحة ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن سبحان الله ، فقال : " تنزيها لله عن السوء " . حدثني علي بن عيسى البزار ، قال : ثنا عبيد الله بن محمد ، قال : ثنا عبد الرحمن بن حماد ، قال : ثني حفص بن سليمان ، قال : ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبيد الله ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله ، فقال : " هو تنزيه الله من كل سوء " . حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي ، قال : ثنا سليمان بن أيوب ، قال : ثني أبي ، عن جدي ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة ، قال : قلت : يا رسول الله قول سبحان الله ؟ قال : " تنزيه الله عن السوء " . وَتَحِيَّتُهُمْ يقول : وتحية بعضهم بعضا فِيها سَلامٌ أي سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار . والعرب تسمى الملك التحية ؛ ومنه قول عمرو بن معديكرب :