محمد بن جرير الطبري
62
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فوحده ، وقد ذكر الشمس والقمر ، فإن في ذلك وجهين : أحدهما أن تكون الهاء في قوله : وَقَدَّرَهُ للقمر خاصة ، لأَن بالأَهلة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس . والآخر : أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر ، كما قال في موضع آخر : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وكما قال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن جول الطوي رماني وقوله : لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ يقول : وقدر ذلك منازل لتعلموا أنتم أيها الناس عدد السنين : دخول ما يدخل منها ، وانقضاء ما يستقبل منها وحسابها ، يقول : وحساب أوقات السنين وعدد أيامها وحساب ساعات أيامها . ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يقول جل ثناؤه : لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق ، يقول الحق تعالى ذكره : خلقت ذلك كله بحق وحدي بغير عون ولا شريك . يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول : يبين الحجج والأَدلة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إذا تدبروها ، حقيقة وحدانية الله ، وصحة ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم من خلع الأَنداد والبراءة من الأَوثان . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ يقول تعالى ذكره منبها عباده على موضع الدلالة على ربوبيته وأنه خالق كل ما دونه . إن في اعتقاب الليل والنهار واعتقاب النهار الليل . إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا ، وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم وفي الأَرض من عجائب الخلق الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء . الْآياتِ يقول لأَدلة وحججا وأعلاما واضحة لقوم يتقون الله ، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم . فإن قال قائل : أو لا دلالة فيما خلق الله في السماوات والأَرض على صانعه إلا لمن اتقى الله ؟ قيل : في ذلك الدلالة الواضحة على صانعه لكل من صحت فطرته ، وبريء من العاهات قلبه ، ولم يقصد بذلك الخبر عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعر نفسه تقوى الله ، وإنما معناه : إن في ذلك لآيات لمن اتقى عقاب الله فلم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق ، لأَن ذلك يدل كل ذي فطرة صحيحة على أن له مدبرا يستحق عليه الإِذعان له بالعبودة دون ما سواه من الآلهة والأَنداد . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ . . . بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يخافون لقاءنا يوم القيامة ، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب ، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها ، راضون بها عوضا من الآخرة ، مطمئنين إليها ساكنين . وَالَّذِينَ هُمْ عن آيات الله ، وهي أدلته على وحدانيته ، وحججه على عباده في إخلاص العبادة له غافِلُونَ معرضون عنها لاهون ، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه ، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه ، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين هذه صفتهم مأواهم مصيرها إلى النار نار جهنم في الآخرة . بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في الدنيا من الآثام والأَجرام ويجترحون من السيئات . . والعرب تقول : " فلان لا يرجو فلانا " : إذا كان لا يخافه . ومنه قول الله جل ثناؤه : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً . ومنه قول أبي ذؤيب : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل