محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه وسلم من غزوته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمر في المسجد وكان طريقه ، فأبصرهم ، فسأل عنهم ، فقيل له : أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم . فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين " . فأنزل الله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إلى : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى من الله واجب . فأطلقهم نبي الله وعذر . وقال آخرون : بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه منه ما كان من أمره في بني قريظة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال : نزلت في أبي لبابة قال لبني قريظة ما قال . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال ، أشار إلى حلقه : إن محمدا ذابحكم إن نزلتم على حكم الله . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فذكر نحوه ، إلا أنه قال : إن نزلتم على حكمه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد : ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية ، فقال لا أحل نفسي حتى يحلني الله ورسوله قال : فحله النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه هذه الآية : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً الآية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن ليث ، عن مجاهد : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال : نزلت في أبي لبابة . وقال آخرون : بل نزلت في أبي لبابة بسبب تخلفه عن تبوك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : قال الزهري : كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فربط نفسه بسارية ، فقال : والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه . قال : ثم تاب الله عليه ، ثم قيل له : قد تيب عليك يا أبا لبابة ، فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني قال : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده . ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال : " يجزيك يا أبا لبابة الثلث " . وقال بعضهم : عني بهذه الآية الأعراب . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً قال : فقال إنهم من الأعراب . حدثنا بن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن حجاج بن أبي زينب ، قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن أرجى عندي لهذه الأمة من قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إلى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك ، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه قال : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم ، ولم