محمد بن جرير الطبري
110
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ يقول : أهلكهم كفارا . وأما قوله : فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فإن معناه : فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقرروا بوحدانيته حتى يروا العذاب الموجع . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَلا يُؤْمِنُوا بالله فيما يرون من الآيات ، حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثني قال ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : سمعت المنقري يقول : فَلا يُؤْمِنُوا يقول : دعا عليهم . واختلف أهل العربية في موضع : يُؤْمِنُوا فقال بعض نحويي البصرة : هو نصب ؛ لأَن جواب الأَمر بالفاء أو يكون دعاء عليهم إذا عصوا . وقد حكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول : هو نصب عطفا على قوله : لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ وقال آخر منهم ، وهو قول نحويي الكوفة : موضعه جزم على الدعاء من موسى عليهم ، بمعنى : فلا آمنوا . كما قال الشاعر : فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم بمعنى : فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى ، ولا لقيتني على الدعاء . وكان بعض نحويي ، الكوفة يقول : هو دعاء ، كأنه قال : اللهم فلا يؤمنوا . قال : وإن شئت جعلتها جوابا لمسألته إياه ، لأَن المسألة خرجت على لفظ الأَمر ، فتجعل فَلا يُؤْمِنُوا في موضع نصب على الجواب ، وليس بسهل . قال : ويكون كقول الشاعر : يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا قال : وليس الجواب بسهل في الدعاء لأَنه ليس بشرط . والصواب من القول في ذلك أنه في موضع جزم على الدعاء ، بمعنى : فلا آمنوا . وإنما اخترت ذلك لأَن ما قبله دعاء ، وذلك قوله : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فإلحاق قوله : فَلا يُؤْمِنُوا إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبه وأولى . وأما قوله : حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فإن ابن عباس كان يقول : معناه : حتى يروا الغرق . وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال ابن عباس : فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قال : الغرق . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى صلى الله عليه وسلم وهارون دعاءهما على فرعون وأشرف قومه وأموالهم . يقول جل ثناؤه : قالَ الله لهما قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما في فرعون وملئه وأموالهم . فإن قائل قائل : وكيف نسبت الإِجابة إلى اثنين والدعاء إنما كان من واحد قيل : إن الداعي وإن كان واحدا فإن الثاني كان مؤمنا وهو هارون ، فلذلك نسبت الإِجابة إليهما ، لأَن المؤمن داع . وكذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن رجل ، عن عكرمة في قوله : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال : كان موسى يدعوا وهارون يؤمن ، فذلك قوله : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين ، وأنشد في ذلك : فقلت لصاحبي لا تعجلانا * بنزع أصوله واجتز شيحا