محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

العذر بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب ، لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا . وقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يقول تعالى ذكره : وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها . وقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام : وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله يا محمد المؤمنين بالثواب الجزيل منه . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . . وَاشْدُدْ يقول تعالى ذكره : وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم ، وهم الملأ ، زينة من متاع الدنيا وأثاثها ، وأموالا من أعيان الذهب والفضة في الحياة الدنيا . رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ يقول موسى لربه : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلوا عن سبيلك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ بمعنى : ليضلوا الناس ، عن سبيلك ويصدوهم عن دينك . وقرأ ذلك آخرون : " ليضلوا عن سبيلك " بمعنى : ليضلوا هم عن سبيلك ، فيجوروا عن طريق الهدى . فإن قال قائل : أفكان الله جل ثناؤه أعطى فرعون وقومه ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها ليضلوا الناس عن دينه ، أو ليضلوا هم عنه ؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك ، فقد كان منهم أما أعطاهم لأَجله ، فلا عتب عليهم في ذلك ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت . وقد اختلف أهل العلم بالعربية في معنى هذه اللام التي في قوله : لِيُضِلُّوا فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ربنا فضلوا عن سبيلك ، كما قال : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أي فكان لهم وهم لم يلتقطوه ليكون عدوا وحزنا ، وإنما التقطوه فكان لهم . قال : فهذه اللام تجيء في هذا المعنى . وقال بعض نحويي الكوفة : هذه اللام لام كي ؛ ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم كي يضلوا ، ثم دعا عليهم وقال آخر : هذه اللامات في قوله " ليضلوا " و " ليكون لهم عدوا " ، وما أشبهها بتأويل الخفض : آتيتهم ما أتيتهم لضلالهم ، والتقطوه لكونه ؛ لأَنه قد آنت الحالة إلى ذلك . والعرب تجعل لام كي في معنى لام الخفض ، ولام الخفض في معنى لام كي لتقارب المعنى ، قال الله تعالى : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ أي لإِعراضكم ، ولم يحلفوا لإِعراضهم ؛ وقال الشاعر : سموت ولم تكن أهلا لتسمو * ولكن المضيع قد يصاب قال : وإنما يقال : وما كنت أهلا للفعل ، ولا يقال لتفعل إلا قليلا . قال : وهذا منه . والصواب من القول في لك عندي : أنها لام كي ، ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأَموال لتفتنهم فيه ، ويضلوا عن سبيلك عبادك ، عقوبة منك . وهذا كما قال جل ثناؤه : لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وقوله : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ هذا دعاء من موسى ، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها ، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها ، وذلك نحو قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها يعني به : من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها ، يقال منه : طمست عينه أطمسها وأطمسها طمسا وطموسا ، وقد تستعمل العرب الطمس في العفو والدثور وفي الاندقاق والدروس ، كما قال كعب بن زهير : من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الأَعلام مجهول وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع ، فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا . . . أن يغير أموالهم عن هيئتها . . . . ذكر