محمد بن جرير الطبري

7

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قوله : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ قال : هم الذين صلوا القبلتين جميعا . وأما الذين اتبعوا المهاجرون الأولين والأنصار بإحسان ، فهم الذين أسلموا لله إسلامهم وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير . كما : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : مر عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ قال : من أقرأك هذه الآية ؟ قال أقرأنيها أبي بن كعب . قال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فأتاه فقال : أنت أقرأت هذا هذه الآية ؟ قال نعم ، قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا . قال : وتصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة ، وأوسط الحشر ، وآخر الأنفال ؛ أما أول الجمعة : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، وأوسط الحشر : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وأما آخر الأنفال : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ . حدثنا أبو كريب ، ثنا الحسن بن عطية ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ حتى بلغ : وَرَضُوا عَنْهُ قال : وأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ قال : أبي بن كعب . فقال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال : نعم ، قال : أنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قال : لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ، فقال أبي : بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ إلى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وفي سورة الحشر : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وفي الأنفال : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ إلى آخر الآية . وروي عن عمر في ذلك ما : حدثني به أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن حبيب بن الشهيد ، وعن ابن عامر الأنصاري ، أن عمر بن الخطاب قرأ : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان " فرفع " الأنصار " ولم يلحق الواو في " الذين " ، فقال له زيد بن ثابت : " والذين اتبعوهم بإحسان " ، فقال عمر : " الذين اتبعوهم بإحسان " . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم فقال عمر : ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك ، فقال أبي : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ فقال عمر : إذا نتابع أبيا . والقراء خفض " الأنصار " عطفا بهم على " المهاجرين " . وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ : " الأنصار " بالرفع عطفا بهم على " السابقين " . والقراء التي لا أستجيز غيرهما الخفض في " الأنصار " ، لإجماع الحجة من القراء عليه ، وأن السابق كان من الفريقين جميعا من المهاجرين والأنصار . وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع ، وإلحاق الواو في " الذين اتبعوهم بإحسان " ، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعا ، على أن التابعين بإحسان غير المهاجرين والأنصار . وأما السابقون فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ومعنى الكلام : رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه ، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام ، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبدا