محمد بن جرير الطبري

103

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

به ، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حولها ثعبانا يتلقفه حتى لم يبق منه شيء . إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني : أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه . وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب : " ما أتيتم به سحر " ، وفي قراءة ابن مسعود : " ما جئتم به سحر " ، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن موسى أنه قال للسحرة : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ يقول : ويثبت الله الحق الذي جئتكم به من عنده ، فيعليه على باطلكم ، ويصححه بكلماته ، يعني بأمره ؛ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ يعني الذين اكتسبوا الإِثم بربهم بمعصيتهم إياه . القول في تأويل قوله تعالى : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ . . . لَعالٍ فِي يقول تعالى ذكره : فلم يؤمن لموسى مع ما أتاهم به من الحجج والأَدلة إلا ذرية من قومه خائفين من فرعون وملئهم . ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرية في هذا الموضع ، فقال بعضهم : الذرية في هذا الموضع : القليل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ قال : كان ابن عباس يقول : الذرية : القليل . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ الذرية : القليل ، كما قال الله تعالى : كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ وقال آخرون : معنى ذلك : فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان ؛ لأَن الآباء ماتوا وبقي الأَبناء ، فقيل لهم ذرية ، لأَنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ قال : أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان ومات آباؤهم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ وحدثني المثني قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ قال : أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن الأَعمش : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ قال : أبناء أولئك الذين أرسل إليهم فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ قال : كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير ، منهم امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه . وقد روي عن ابن عباس خبر يدل على خلاف هذا القول كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل . . . ، وذلك ما : حدثني به المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ يقول : بني إسرائيل . فهذا الخبر