محمد بن جرير الطبري

97

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أيوب : فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت . وقوله : ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول تعالى ذكره : هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة هي الفوز العظيم ، يعني الظفر بالحاجة والطلبة والنجاة من النار . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون ، وإشراكهم معه الأَوثان والأَصنام ؛ فإن العزة لله جميعا ، يقول تعالى ذكره : فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة لا شريك له فيها ، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون ، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحد ، لأَنه لا يعازه شيء . هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يقول : وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه ، وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه ، محصي ذلك عليهم كله ، وهو لهم بالمرصاد . وكسرت " إن " من قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً لأَن ذلك خبر من الله مبتدأ ، ولم يعمل فيها القول ، لأَن القول عني به قول المشركين ؛ وقوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً لم يكن من قيل المشركين ، ولا هو خبر عنهم أنهم قالوه . القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول تعالى ذكره : أَلا إِنَّ لِلَّهِ يا محمد كل من في السماوات ومن في الأَرض ملكا وعبيدا لا مالك لشيء من ذلك سواه ، يقول : فكيف يكون إلها معبودا من يعبده هؤلاء المشركون من الأَوثان والأَصنام ، وهي لله ملك ، وإنما العبادة للمالك دون المملوك ، وللرب دون المربوب . وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ يقول جل ثناؤه : وأي شيء يتبع من يدعو من دون الله ، يعني غير الله وسواه شركاء . ومعنى الكلام : أي شيء يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبا ، والله المنفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول : ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظن ، يقول : إلا الشك لا اليقين . وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول : وإن هم يتقولون الباطل تظننا وتخرصا للإِفك عن غير علم منهم بما يقولون . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يقول تعالى ذكره : إن ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة هُوَ الرب الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وفصله من النهار ، لِتَسْكُنُوا فِيهِ مما كنتم فيه في نهاركم من التعب والنصب ، وتهدءوا فيه من التصرف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار . وَالنَّهارَ مُبْصِراً يقول : وجعل النهار مبصرا ، فأضاف الإِبصار إلى النهار ، وإنما يبصر فيه ، وليس النهار مما يبصر ؛ ولكن لما كان مفهوما في كلام العرب معناه ، خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم ، وذلك كما قال جرير : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به ، ومعناه نفسه أنه لم يكن نائما فيه هو ولا بعيره . يقول تعالى ذكره : فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون ، لا مالا ينفع ولا يضر ولا يفعل شيئا . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يقول تعالى ذكره : إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما دلالة وحججا على أن الذي له العبادة خالصا بغير شريك ، هو الذي خلق الليل والنهار وخالف بينهما ، بأن جعل هذا للخلق سكنا وهذا لهم معاشا ، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئا ولا يضر ولا ينفع .