محمد بن جرير الطبري

96

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد ، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره ، وعدد جنوده ؟ . وبنحو الذي قلنافي ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِلَّا تَنْصُرُوهُ ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثه ؛ يقول الله : فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ قال : ذكر ما كان في أول شأنه حين بعث ، فالله فاعل به كذلك ناصره كما نصره إذ ذاك ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ الآية ، قال : فكان صاحبه أبو بكر . وأما الغار : فجبل بمكة يقال له ثور . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا أبان العطار ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، وكان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على أهله ، فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثور ، وكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور ، وهو الغار الذي سماه الله في القرآن . حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي ، قال : ثنا عفان وحبان ، قالا : ثنا همام ، عن ثابت عن أنس ، أن أبا بكر رضي الله عنه حدثهم ، قال : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، وأقدام المشركين فوق رؤوسنا ، فقلت : يا رسول الله ، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا فقال : " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : مكث أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري : إِذْ هُما فِي الْغارِ قال : في الجبل الذي يسمى ثورا ، مكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثلاث ليال . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبيه الحارث : أن أبا بكر الصديق رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال : أيكم يقرأ سورة التوبة ؟ قال رجل : أنا ، قال : اقرأ فلما بلغ : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ بكى أبو بكر وقال : أنا والله صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقول تعالى ذكره : فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله وقد قيل : على أبي بكر وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يقول : وقواه بجنود من عنده من الملائكة لم تروها أنتم . وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي كلمة الشرك السُّفْلى لأنها قهرت وأذلت وأبطلها الله تعالى ومحق أهلها ، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب والغالب هو الأعلى . وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا يقول : ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله ، وهي كلمته العليا على الشرك وأهله ، الغالبة . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وهي : الشرك بالله . وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وهي لا إله إلا الله . وقوله : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا خبر مبتدأ غير مردود على قوله : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى لأن ذلك لو كان معطوفا على الكلمة الأولى لكان نصبا . وأما قوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فإنه يعني : والله عزيز في انتقامه من أهل الكفر به ، لا يقهره قاهر ولا يغلبه