محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ يقول : النصارى يضاهؤن قول اليهود . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ يقول : قالوا مثل ما قال أهل الأوثان . وقد قيل : إن معنى ذلك : يحكون بقولهم قول أهل الأديان الذين قالوا : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق : " يضاهون " بغير همز . وقرأه عاصم : يُضاهِؤُنَ بالهمز ، وهي لغة لثقيف . وهما لغتان ، يقال : ضاهيته على كذا أضاهيه مضاهاة وضاهاته عليه مضاهاة ، إذا مالأته عليه وأعنته . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ترك الهمز ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار واللغة الفصحى . وأما قوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ فإن معناه فيما ذكر عن ابن عباس ، ما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ يقول : لعنهم الله ، وكل شيء في القرآن ، قتل فهو لعن . وقال ابن جريج في ذلك ، ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني النصارى ، كلمة من كلام العرب . فأما أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون معناه : قتلهم الله ، والعرب تقول : قاتعك الله ، وقاتعها الله ؛ بمعنى : قاتلك الله ، قالوا : وقاتعك الله أهون من قاتله الله . وقد ذكروا أنهم يقولون : شاقاه الله ما باقاه ، يريدون : أشقاه الله ما أبقاه . قالوا : ومعنى قوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ كقوله : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ و قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ واحد ، وهو بمعنى التعجب . فإن كان الذي قالوا كما قالوا ، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غير القياس ، لأن فاعلت لا تكاد أن تجيء فعلا إلا من اثنين ، كقولهم : خاصمت فلانا وقاتلته ، وما أشبه ذلك . وقد زعموا أن قولهم : عافاك الله منه ، وأن معناه : أعفاك الله ، بمعنى الدعاء لمن دعاله بأن يعفيه من السوء . وقوله : أَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول : أي وجه يذهب بهم ويحيدون ، كيف يصدون عن الحق ، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول جل ثناؤه : اتخذ اليهود أحبارهم ، وهم العلماء . وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا . قيل واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء منه وفتحها . وكان يونس الجرمي فيما ذكر عنه يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا " حبر " بكسر الحاء ، ويحتج بقول الناس : هذا مداد حبر ، يراد به : مداد عالم . وذكر الفراء أنه سمعه حبرا وحبر بكسر الحاء وفتحها . والنصارى رهبانهم ، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سلمة ، عن الضحاك : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ قال : قراءهم وعلماءهم . أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : سادة لهم من دون الله يطيعونهم في معاصي الله ، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم . كما : حدثني الحسن بن يزيد الطحان ، قال : ثنا عبد السلام بن حرب الملائي ، عن غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعد ، عن عدي بن حاتم ، قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فقال : " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكن كانوا يحلون لهم فيحلون " . حدثنا أبو كريب وابن وكيع ، قالا : ثنا مالك بن إسماعيل ، وحد أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد جميعا عن عبد السلام بن حرب ، قال : ثنا غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعد ، عن عدي