محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
موضع من الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ عمارة المسجد يقول تعالى ذكره : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر . يقول : أن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها لا للكفر به ، فمن كان بالله كافرا فليس من شأنه أن يعمر مساجد الله . وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، فإنها كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ يقول : ما ينبغي لهم أن يعمروها عمارة المسجد . وأما شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فإن النصراني يسأل : ما أنت ؟ فيقول : نصراني ، واليهود ، فيقول : يهودي ، والصابئ ، فيقول : صابئ ، والمشرك يقول إذا سألته : ما دينك ؟ فيقول : مشرك لم يكن ليقوله أحد إلا العرب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ عمارة المسجد قال : يقول : ما كان ينبغي لهم أن يعمروها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قال : النصراني يقال له : ما أنت ؟ فيقول : نصراني ، واليهود يقال له : ما أنت ؟ فيقول : يهودي ، والصابئ يقال له : ما أنت ؟ فيقول : صابئ . وقوله : أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يقول : بطلت وذهبت أجورها ، لأنها لم تكن لله ، بل كانت للشيطان . وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ يقول : ماكثون فيها أبدا ، لا أحياء ولا أمواتا . واختلفت القراء في قراءة قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة : مَساجِدَ اللَّهِ على الجمع . وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين : " مسجد الله " . على التوحيد ، بمعنى المسجد الحرام . وهم جميعا مجمعون على قراءة قوله : مَساجِدَ اللَّهِ على الجمع ، لأنه إذا قرئ كذلك احتمل معنى الواحد والجمع ، لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد ، كقولهم : عليه ثوب أخلاق . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يقول تعالى ذكره : إنما يعمر مساجد الله عمارة المسجد المصدق بوحدانية الله ، المخلص له العبادة واليوم الآخر ، يقول : الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة ، وأقام الصلاة المكتوبة بحدودها ، وأدى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له . وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يقول : ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه سوى الله . فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يقول : فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يقول من وحد الله . وآمن باليوم الآخر ؛ يقول : أقر بما أنزل الله . وَأَقامَ الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس . وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يقول : ثم لم يعبد إلا الله ، قال : فَعَسى أُولئِكَ يقول : إن أولئك هم المفلحون ، كقوله لنبيه : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا . وهي الشفاعة ، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم ذكر قول قريش : إنا أهل الحرم ، وسقاة الحاج ، وعمار هذا البيت ، ولا أحد