محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وجدناهم كاذبا إلاههم * وذو الإل والعهد لا يكذب وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين ، أن الإل والعهد والميثاق واليمين واحد ، وأن الذمة في هذا الموضع : التذمم ممن لا عهد له ، والجمع : ذمم . وكان ابن إسحاق يقول : عنى بهذه الآية : أهل العهد العام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل العهد العام ؛ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وأما قوله : يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ فإنه يقول : يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء . وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ أي تأبى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم . يحذر جل ثناؤه أمرهم المؤمنين ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله ، وألا يقصروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه . وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ يقول : وأكثرهم مخالفون عهدكم ناقضون له ، كافرون بربهم خارجون عن طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يقول جل ثناؤه : ابتاع هؤلاء المشركون الذين أمركم الله أيها المؤمنون بقتلهم حيث وجدتموهم بتركهم اتباع ما احتج الله به عليهم من حججه يسيرا من العوض قليلا من عرض الدنيا ؛ وذلك أنهم فيما ذكر عنهم كانوا نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهموها أبو سفيان بن حرب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه ، وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وأما قوله : فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ فإن معناه : فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام ، وحاولوا رد المسلمين عن دينهم . إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول جل ثناؤه : إن هؤلاء المشركين الذين وصفت صفاتهم ، ساء عملهم الذي كانوا يعملون من اشترائهم الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى ، وصدهم عن سبيل الله من آمن بالله ورسوله أو من أراد أن يؤمن . القول في تأويل قوله تعالى : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يقول تعالى ذكره : لا يتقي هؤلاء المشركون الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم حيث وجدتموهم في قتل مؤمن لو قدورا عليه إِلًّا وَلا ذِمَّةً يقول : فلا تبقوا عليهم أيها المؤمنون ، كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ يقول : المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظلم والاعتداء . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول جل ثناؤه : فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إلى طاعته وأقاموا الصلاة المكتوبة فأدوها بحدودها وآتوا الزكاة المفروضة أهلها ؛ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ يقول : فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به ، وهو الإسلام . وَنُفَصِّلُ الْآياتِ يقول : ونبين حجج الله وأدلته على خلقه ، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ما بين لهم فنشرحها لهم مفصلة دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ يقول : إن تركوا اللات والعزى ،