محمد بن جرير الطبري
59
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ولا يعطي المسلم الجزية . فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ يعني : أهل العهد من المشركين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ قال : هؤلاء قريش . وقد نسخ هذا الأشهر التي ضربت لهم ، وغدروا بهم فلم يستقيموا ، كما قال الله ؛ فضرب لهم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم : إما أن يسلموا ، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا قال : فأسلموا قبل الأربعة الأشهر ، وقبل قتل . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر عن قتادة : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ قال : هم قوم جذيمة . قال : فلم يستقيموا ، نقضوا عهدهم ؛ أي أعانوا بني بكر حلف قريش على خزاعة حلف النبي صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : هم قوم من خزاعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال : أهل العهد من خزاعة . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال : هم بعض بني بكر من كنانة ، ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش حين نقضوه بمعونتهم حلفاءهم من بني الديل على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة . وإنما قلت هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ؛ لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام ، ما استقاموا على عهدهم . وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها علي في سنة تسع من الهجرة ، وذلك بعد فتح مكة بسنة ، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده ، لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات . وأما قوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فإن معناه : إن الله يحب من اتقى وراقبه في أداء فرائضه ، والوفاء بعهده لمن عاهده ، واجتناب ، وترك الغدر بعهوده لمن عاهده . القول في تأويل قوله تعالى : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : كيف يكون لهؤلاء المشركين الذين نقضوا عهدهم أو لمن لا عهد له منهم منكم أيها المؤمنون عهد وذمة ، وهم إن يظهروا عليكم يغلبوكم ، لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة . واكتفى ب " كيف " دليلا على معنى الكلام ، لتقدم ما يراد من المعني بها قبلها ؛ وكذلك تفعل العرب إذا أعادت الحرف بعد مضي معناه استجازوا حذف الفعل ، كما قال الشاعر : وخبرتماني أنما الموت في القرى * فكيف وهذي هضبة وكثيب فحذف الفعل بعد كيف لتقدم ما يراد بعدها قبلها . ومعنى الكلام : فكيف يكون الموت في القرى وهذي وكثيب لا ينجو فيهما منه أحد . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً فقال بعضهم : معناه : لا يراقبوا الله فيكم ولا عهدا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا قال الله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان ، عن أبي مجلز ، في قوله : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً قال : مثل قوله جبرائيل ميكائيل إسرافيل ، كأنه يقال : يضاف " جبر " و " ميكا " و " إسراف " إلى " إيل " ، يقول : عبد الله