محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيه ، كقول الناس : يوم عرفة ، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة ، ويوم الأضحى ، وذلك يوم يضحون فيه ؛ ويوم الفطر ، وذلك يوم يفطرون فيه ؛ وكذلك يوم الحج ، يوم يحجون فيه . وإنما يحج الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر ، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر ، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحج ؛ فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر ، والحج كله يوم النحر . وأما ما قال مجاهد من أن يوم الحج إنما هو أيامه كلها ، فإن ذلك وإن كان جائزا في كلام العرب ، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه ، بل غلب على معنى اليوم عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد ، وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه . واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لهذا اليوم : يوم الحج الأكبر ، فقال بعضهم : سمي بذلك لأن ذلك كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين . ذكرمن قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، قال : إنما سمي الحج الأكبر من أجل أنه حج أبو بكر الحجة التي حجها ، واجتمع فيها المسلمون والمشركون ، فلذلك سمي الحج الأكبر ، ووافق أيضا عيد اليهود والنصارى . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الله بن الحرث بن نوفل ، قال : يوم الحج الأكبر كانت حجة الوداع اجتمع فيه حج المسلمين والنصارى واليهود ولم يجتمع قبله ولا بعده . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن الحسن ، قال قوله : يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال : إنما سمي الحج الأكبر لأنه يوم حج فيه أبو بكر ، ونبذ فيه العهود . وقال آخرون : الحج الأكبر : القرآن ، والحج : الإفراد . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا أبو بكر النهشلي ، عن حماد ، عن مجاهد ، قال : كان يقول : الحج الأكبر والحج الأصغر ؛ فالحج الأكبر : القرآن ، والحج الأصغر : إفراد الحج . وقال آخرون : الحج الأكبر : الحج ، والحج الأصغر : العمرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : الحج الأكبر : الحج ، والحج الأصغر : العمرة . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا عبد الأعلى ، عن داود ، عن عامر ، قال : قلت له : هذا الحج الأكبر ، فما الحج الأصغر ؟ قال : العمرة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : كان يقال : الحج الأصغر : العمرة في رمضان . حدثنا ابن بشار قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كان يقال : الحج الأصغر : العمرة . حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي أسماء ، عن عبد الله بن شداد ، قال : يوم الحج الأكبر : يوم النحر ، والحج الأصغر : العمرة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري : أن أهل الجاهلية كانوا يسمون الحج الأصغر : العمرة . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال : الحج الأكبر الحج ؛ لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها ، فقيل له الأكبر لذلك . وأما الأصغر فالعمرة ، لأن عملها أقل من عمل الحج ، فلذلك قيل لها الأصغر لنقصان عملها عن عمله . وأما قوله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإن معناه : أن الله بريء من عهد المشركين ورسوله بعد هذه الحجة . ومعنى الكلام : وإعلام من الله ورسوله إلى الناس في يوم الحج الأكبر ، أن الله ورسوله من عهد المشركين بريئان كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي بعد هذه الحجة .