محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليا رضي الله عنه ، فنادى : ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى مدته ، والله بريء من المشركين ورسوله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي ، قال : لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم الحج للناس ؛ قيل له : يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر فقال : " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : " اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته " فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء ، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق ؛ فلما رآه أبو بكر ، قال : أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور . ثم مضيا رضي الله عنهما ، فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ، قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أيها الناس لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية ، بعث بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وأمره على الحج ، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة أتبعه بعلي فأخذها منه ، فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء ؟ قال : " لا ، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار ، وأنك صاحبي على الحوض ؟ " قال : بلى يا رسول الله فسار أبو بكر على الحاج ، وعلي يؤذن ببراءة ، فقام يوم الأضحى ، فقال : لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فله عهده إلى مدته ، وإن هذه أيام أكل وشرب ، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما . فقالوا : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب فرجع المشركون فلام بعضهم بعضا ، وقالوا : ما تصنعون وقد أسلمت قريش ؟ فأسلموا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن علي ، قال : أمرت بأربع : أن لا يقرب البيت بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده قال معمر : وقاله قتادة . قال أبو جعفر رحمه الله ، فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا ، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا ، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وفى له